الاحتياجات المحاسبية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم.
المحاسبة الخاصة بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم
تقرير من إعداد أمانة الأونكتاد
خلاصة
قرر فريق الخبراء الحكومي الدولي العامل المعني بالمعايير الدولية للمحاسبة والإبلاغ، في دورته السادسة عشرة، أن يكرس دورته السابعة عشرة لدراسة الاحتياجات المحاسبية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. فالهدف الأساسي من الآليات القائمة حاليا لتأمين الشفافية والكشف عن البيانات المالية، بما في ذلك الإطار المحاسبي الدولي، هو تلبية احتياجات المحاسبة والإبلاغ الخاصة بالمؤسسات الكبيرة المسجلة في البورصة. غير أن الشفافية والكشف عن البيانات المالية لا يقلان عن ذلك أهمية في حالة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم إذا أُريد لها أن تتمكن من المنافسة، والنمو، والوصول إلى التمويل والشركاء. وفي جميع البلدان تقريبا، تكون أغلبية المؤسسات صغيرة أو متوسطة الحجم. ونظرا إلى أن قواعد المحاسبة والإبلاغ لا تكون عادة مصممة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم تحديداً، فإنه يتعين على هذه المؤسسات أن تضطلع بعمليات المحاسبة والإبلاغ الخاصة بها وفقا للقواعد الخاصة بالشركات الكبيرة. وفي معظم الأحوال، لا تكون المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في وضع يسمح لها بذلك. فهذه المؤسسات تفتقر إلى الخبرة والبنية الأساسية والموارد الأخرى اللازمة لتنفيذ هذه العمليات بنجاح. وعند قيام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم بإعداد تقاريرها المالية وفقا لقواعد لم توضع بها، فإن النتيجة التي تترتب على ذلك هي إعداد تقارير مالية غير مفيدة لتحسين إدارتها الداخلية. والهدف من هذا التقرير هو تيسير مداولات فريق الخبراء الحكومي الدولي العامل المعني بالمعايير الدولية للمحاسبة والإبلاغ بشأن الاحتياجات المحاسبية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وقواعدها وممارساتها ومشاكلها الحالية. وترد في هذا التقرير أيضا الحلول الممكنة في شكل نهج مقترحة للنظم المحاسبية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. ويُتوقع أن تؤدي مداولات الفريق إلى اتفاق بشأن كيفية إحراز تقدم في العمل بحيث تتسنى صياغة مبادئ توجيهية في نهاية الأمر.
الفصل الأول
طبيعة ونطاق المشكلة
ألف - مقدمة
1- لقد اعتبرت عدة وكالات متعددة الأطراف (مثل البنك الدولي، ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، والأونكتاد) أن الافتقار إلى بنية أساسية محاسبية متطورة يشكل عقبة رئيسية أمام التنمية الاقتصادية. فالافتقار إلى المساءلة يسهم في زعزعة استقرار الأوضاع المالية، وتثبيط الاستثمار الأجنبي المباشر، وإعاقة مشاريع تقديم المعونة. وفي أي بلد، يؤدي الافتقار إلى الشفافية والكشف عن البيانات المالية بدرجة كافية ضمن المؤسسات المحلية إلى ظهور صعوبات في الحصول على التمويل ونقص المعرفة التي تتيح إدارة المؤسسة بشكل أفضل، وبالتالي إلى فقدان القدرة على المنافسة. وفيما يتعلق بالحكومات، فإن الافتقار إلى الشفافية وعدم الكشف عن البيانات المالية بدرجة كافية من جانب مؤسسات الأعمال التجارية يؤدي إلى صعوبات في تحصيل الإيرادات الضريبية وفي تحديد أهداف برامج التنمية الاقتصادية ووضع سياسات مناسبة. وقد تؤدي هذه الحالة إلى اعتماد تدابير تفضي إلى نتائج عكسية فتضر بالقطاع الخاص بدلا من مساعدته وتؤدي إلى اختفاء الموارد بدلا من توليدها.
2- والهدف من هذه الدراسة هو استعراض قضية الاحتياجات المحاسبية في أكبر عدد ممكن من البلدان ومحاولة استخلاص بعض النتائج، بناء على هذا الاستعراض، بشأن الكيفية التي يمكن بها النهوض بالتنمية عن طريق تحسين البنية الأساسية المحاسبية. والغرض من الجزء الأول من التقرير هو تحديد طبيعة المشكلة، بينما يتناول الجزء الثاني القواعد والممارسات المحاسبية الحالية التي تتبعها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في عدد من البلدان. أما الجزء الثالث فيعرض بعض الاقتراحات التي تتوخى التحسين.
باء - إسهام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في التنمية الاقتصادية
3- هناك عدة طرق تستطيع بها الحكومات أن تعزز عملية التنمية الاقتصادية. وتشمل هذه الطرق اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر، من الشركات عبر الوطنية عادة، وتطوير الشركات شبه الحكومية لتصبح شركات توريد محلية يمكن الاستعاضة بها عن الخبرة المستوردة من الشركات عبر الوطنية. بيد أن جميع المؤسسات الكبيرة في القطاع الخاص قد بدأت، وهو ما أدركته البلدان المتقدمة النمو مؤخرا، كمؤسسـات صغيرة، ولذلك فإن تشجيع الأعمال التجارية الصغيرة المحلية هو من السبل التي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى ظهور أعمال تجارية محلية كبيرة.
4- وعلاوة على ذلك، وكما هو الحال مثلاً في بلدان أفريقية كثيرة، تعمل أغلبية السكان العاملين في أعمال تجارية صغيرة، كثيرا ما تكون على مستوى الكفاف. وتشكل مشاريع الأعمال الصغيرة مصدرا رئيسيا للعمالة، ومن ثم فإن الحكومة إذ تشجع الأعمال الصغيرة إنما تتيح إمكانية توليد فرص للعمل. ومن الأمثلة على ذلك أن نتيجان (Nthejane) يشير في دراسة له (1997) إلى أنه توجد في ليسوتو 000 125 مؤسسة بالغة الصغر توفر العمل لنحو 000 200 شخص وأن نحو ثلاثة أرباع هذه المؤسسات تديرها نساء. وهناك أيضا نحو 000 2 مؤسسة يعمل فيها ستة أشخاص أو أكثر، وقد نشأت معظم هذه المؤسسات من قطاع الأعمال التجارية البالغة الصغر. بيد أن هذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم تواجه بالفعل عقبات كبيرة تعترض تطورها. فيقول نتيجان:
"إن أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم عموما هي أوفر حظا في التعليم وأكثر خبرة ولديهم موارد أفضل من أصحاب مشاريع الأعمال البالغة الصغر. بيد أنهم لا يزالون يعملون في بيئة اقتصادية تمييزية. وتُستبعد هذه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم من الحوافز المتاحة للصناعات (الأجنبية) الكبيرة وتخضع لإجراءات بيروقراطية مرهقة. ولا تستطيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، بصورة دائمة تقريبا، الامتثال لإجراءات الترخيص المرهقة والمعقدة، وضوابط تنظيم الاستيراد، والضرائب، إلخ.، وبالتالي لا يمكنها الوصول إلى الحوافز"(1).
ولقد توصل باحثون آخرون أيضا إلى نتائج مماثلة.
5- في حين أن هذه المشاكل قد تكون حرجة بوجه خاص في بعض البلدان الأفريقية، فإن سبيل التحول من عمل تجاري غير رسمي يقوم به شخص واحد حتى إلى مؤسسة صغيرة تستخدم عدة عمال هو أمر يتسم بالصعوبة في كافة البلدان ويتطلب من صاحب المشروع تطوير مجموعة من المهارات الإدارية والتنظيمية بالإضافة إلى تلك المهارات التي تستخدم في عملية التصنيع التي هي بمثابة المحرك للعمل التجاري(2). وتشكل هذه المهارات واكتساب المعرفة فيما يتصل حتى بأبسط القضايا مثل الضرائب، والترخيص، إلخ.، حاجزا هائلا يعترض نمو العمل التجاري وانتقاله من القطاع غير الرسمي إلى القطاع الرسمي.
جيم - ما هي المؤسسة الصغيرة والمتوسطة الحجم؟
6- لا يوجد تعريف متفق عليه عموما للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ولربما كان هناك سبب وجيه لذلك. فطبقا لمنظمة العمل الدولية، لا يمكن لتعريف وحيد أن يشمل جميع أبعاد الحجم "الصغير" أو "المتوسط" للعمل التجاري. ولا يمكن لهذا التعريف، ولا يتوقع، منه، أن يعبّر عن الاختلافات بين الشركات أو القطاعات أو البلدان ذات مستويات التنمية المختلفة. وتستند معظم تعاريف الحجم إلى معايير من قبيل عدد العاملين، أو الميزانية الإجمالية، أو الرقم السنوي للأعمال. غير أن أي معيار من هذه المعايير لا يسري بالضرورة عبر الحدود. فالرقم السنوي للأعمال الذي يقل عن 000 100 دولار قد يشير إلى عمل تجاري بالغ الصغر في الولايات المتحدة الأمريكية ولكنه قد يشمل فعلا شركة متوسطة الحجم في اقتصادات أخرى. وطبقا لمصادر منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، فإن 95 في المائة من المؤسسات الصغيرة أو المتوسطة الحجم تستخدم أقل من 100 عامل. وحتى التعاريف التي تستند إلى معيار العمالة تواجه هي الأخرى نفس المشاكل في هذا السياق - فالشركة التي تستخدم 100 عامل لا تعتبر كبيرة جدا في سويسرا، في حين أن عدد الشركات التي تستخدم عددا أكبر من العاملين قليل جداً في بعض البلدان النامية.
7- وتستند هذه الدراسة إلى افتراض أن الحجم يشكل عاملاً هاماً في تحديد الطبيعة الاقتصادية للكيانات التجارية وأنه ينبغي تحديد الأنواع الاقتصادية المختلفة لأن احتياجات كل منها قد تكون مختلفة. ولذلك، تستخدم التعاريف الواردة أدناه لأغراض هذه الدراسة.
8- المؤسسة البالغة الصغر: تشير هذه العبارة إلى عمل تجاري يستخدم ما بين شخص واحد وخمسة أشخاص (تاجر واحد عادة). وتتسم هذه المؤسسة ببساطة أنشطتها إلى حد يسمح بإدارتها مباشرة على أساس العلاقة بين شخص وشخص آخر، كما أن حجم عملياتها يعني أنه ليس من المرجح أن تكون في حاجة إلى تخصيص قدر كبير من وقت الموظفين للقيام بعمليات المحاسبة أو أن تكون قادرة على تحمل تكاليف ذلك. فالعمليات التي تقوم بها هذه المؤسسة غالبا ما تتصل بمنتج واحد أو خدمة واحدة أو نوع واحد من العمليات. ولا تحتاج هذه المؤسسة إلا إلى عملية محاسبة أساسية لتسجيل رقم الأعمال، ومراقبة النفقات والأرباح وكذلك، عند الاقتضاء، حساب الأرباح للأغراض الضريبية. وليس من المحتمل أن تكون لهذه المؤسسات تعاملات ائتمانية واسعة النطاق.
9- المؤسسة الصغيرة: يُقصد بالمؤسسة الصغيرة العمـل التجاري الذي يستخدم ما يتراوح بين 6 أشخاص و50 شخصاً. ويكون لهذا العمل غالباً عدد من خطوط النشاط ومن المتصور أن يكون له أكثر من موقع مادي واحد. وغالباً ما تكون المؤسسة الصغيرة في حاجة إلى قروض مالية ويتعين عليها أن تقدم تقارير إلى المقرضين. وقد تكون كشوف مرتبات المؤسسة كبيرة جداً ومعقدة نسبياً، وتكون في حاجة إلى معلومات إدارية بشأن رقم الأعمال وإلى تحليل التكاليف بحسب خط الإنتاج. وقد تباشر المؤسسة جزءاً كبيراً من أعمالها عن طريق الائتمان. ولذلك فإنها تكون في حاجة إلى نظام أكثر دقة للمحاسبة والمراقبة، ولكن قد لا يتعين عليها النظر في قضايا من قبيل المعاشات التقاعدية، والاحتياطيات، والإيجارات، والأدوات المالية. وقد تكون المؤسسة الصغيرة في حاجة إلى موظف متفرغ لمسك الدفاتر ومتابعة السجلات وتزويد الإدارة بالمعلومات.
10- المؤسسة المتوسطة الحجم: تشير هذه العبارة إلى مؤسسة تستخدم ما يتراوح بين 51 و250 موظفاً. ويكاد يكون من المؤكد أن تعمل هذه المؤسسة في أكثر من موقع واحد مما يعني ضرورة الاتصال بين عدد من المديرين. وتكون لهذه المؤسسة خطوط إنتاج عديدة، وتؤدي قدراً كبيراً من عملها عن طريق الائتمان، لربما بالإضافة إلى مبيعات الصادرات، والواردات. وتحتاج هذه المؤسسة إلى بنية محاسبية متطورة بدرجة معقولة، بالإضافة إلى أدوات للمراقبة الداخلية وحسابات إدارية مفصلة لمديري مختلف المنتجات. وتضم هذه المؤسسة غالباً العديد من المحاسبين. والأهمية الاقتصادية لمثل هذه المؤسسة قد تبرر متطلبات الإبلاغ الواسعة النطاق نسبياً.
11- وهذه التعاريف القائمة على الحجم (من حيث عدد الموظفين) اعتباطية إلى حد ما، ومن ثم ينبغي تفسيرها بمرونة في ضوء الظروف السائدة في أي بلد من البلدان. بيد أنه لما كان ما نسبته 95 في المائة من مجموع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم تستخدم أقل من 100 موظف، فإن هذه الحدود، وإن كانت اعتباطية، تشمل المجموعة المستهدفة. أما القضية الأهم فهي تحديد طبيعة الكيان، ومدى تعقيد عملياته، والحاجة إلى معلومات لإدارة الشركة.
12- ولأغراض هذه الدراسة، تعتبر جميع المؤسسات المشار إليها أعلاه جزءاً من الاقتصاد الرسمي. أما الكيانات التي لا تحتفظ بحسابات ولا تدفع ضرائب فتشكل جزءاً من الاقتصاد غير الرسمي. وبينما يهدف جزء كبير من هذه الدراسة إلى التوصل إلى نُظم لتشجيع الكيانات على الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، فإن الدراسة ليست معنية بالاقتصاد غير الرسمي بهذه الصفة. وبالمثل، فإنه بينما تركز هذه الدراسة أساساً على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، فليس من الممكن تقديم مقترحات بشأن المحاسبة بتلك المؤسسات دون مراعاة السلسلة الكاملة للمحاسبة، من القطاع غير الرسمي إلى الشركات المسجلة في البورصة، لكي يكون قطاع الشركات الصغيرة منسجماً مع الواقع الاقتصادي الذي تعمل فيه مع إتاحة نظم يمكن توسيعها والوصول بها إلى مستوى إلى النُظم التي تستخدمها الشركات الكبيرة.
دال- المحاسبة في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم
13- للمحاسبة دور أساسي تؤديه في أي عمل تجاري. والمحاسبة بأبسط أشكالها ضرورية "لمتابعة الموقف" لكي يكون صاحب المؤسسة على علم بما يحدث في مؤسسته، وما هي الكمية المباعة، وما هي التكاليف المتكبدة، وما هي الأنشطة التي تحقق الربح، وما إذا كانت أسعار البيع تترك هامشاً مناسباً مقابل التكاليف، إلخ. والمحاسبة بالغة الأهمية أيضاً في إدارة العلاقات مع العالم الخارجي: فهي تسجل الأموال المستحقة الدفع للموردين والأموال المستحقة التحصيل من العملاء (في حالة الائتمان)، وهي تتيح أيضاً لصاحب المؤسسة أن يعرض عمله على المصالح الخارجية، لا سيما المقرضين المحتملين، والسلطات الضريبية أيضاً.
14- ومع نمو العمل التجاري، يلزم البحث عن المزيد من التمويل والمستثمرين والشركاء التجاريين؛ كما يلزم بصفة خاصة، في الحالات التي قد تجري فيها العمليات في أرجاء مختلفة من العالم عن طريق التجارة الإلكترونية والربط الشبكي مع مؤسسات أخرى صغيرة ومتوسطة الحجم، أن يكون هناك "جواز سفر" محاسبي - أي بيانات مالية واضحة تعد على أُسس تكون مفهومة في جميع أرجاء العالم. ولذلك فإن الحاجة إلى تعزيز الشفافية والكشف عن البيانات المالية المناسبة في مرحلة مبكرة من مراحل تطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم تصبح بالغة الأهمية.
15- وتمثل المحاسبة أداة أساسية لإدارة وتطوير العمل، ولكنها تشكل أيضاً عقبة هائلة وذلك لأسباب كثيرة. فبينما تكمن فائدتها في أنها "تبرز" طبيعة ونطاق العمل، قد يشعر صاحب المشروع أن الدولة قد تستغل ذلك لفرض ضريبة على المؤسسة أو فرض تراخيص أو ضوابط أخرى. وكثيراً ما يعرض أصحاب المشاريع، عن الاحتفاظ بحسابات مناسبة لخشيتهم من العواقب الضريبية، في حين أنه لا تكون لديهم بدون اتخاذ هذه الخطوة معلومات لإدارة الشركة أو لتمكين المقرضين من تقييم مدى قابلية المشروع للاستمرار من أجل التمويل اللازم لتوسيعه.
16- وينظر الكثير من أصحاب الأعمال التجارية الصغيرة، إن لم يكن جميعهم، إلى المحاسبة باعتبارها تمثل في المقام الأول أداة لتحصيل الضرائب. وبعد الضرائب، يعتبر استخدامها التالي شرطاً للحصول على قروض للتمويل. وكثيراً ما ينظر إلى المحاسبة كأداة للقمع. أما استخداماتها الإيجابية المتمثلة في توفير نموذج للشركة لتمكينها من تحقيق المزيد من الربح وتيسير إدارتها فتكون غير مفهومة عموماً (ربما لعدم حصول صاحب العمل التجاري على تدريب فيما يتعلق بالإدارة) أو أنها لا تقدر التقدير الذي تستحقه.
17- وثمة عقبة شائعة أخرى من هذا النوع هي عدم الفصل بين العمل وصاحب العمل. ففي بعض الثقافات، يكون مفهوم الملكية مائعاً إلى حد ما، ولا توجد بالضرورة حدود صارمة بين ما هو مملوك للشخص وما هو مملوك للأسرة أو لجماعة أخرى. وعلاوة على ذلك، وحتى في الثقافات التي تكون فيها مفاهيم الملكية الفردية مستقرة تماماً، كثيراً ما يجد أصحاب المشاريع صعوبة في الفصل بين نفقات عملهم ونفقاتهم الشخصية، في حين أن هذا الفصل يعتبر أساساً لتقييم العمل.
18- وإلى جانب هذه العقبات النفسية الكبيرة إلى حد ما، هناك مشكلة كيفية تأمين أعمال المحاسبة الخاصة بالعمل. فإذا كان منظمو المشروع هم الذين سيتولون إجراء حساباتهم، فإن هذا يفترض أن يكونوا متعلمين أصلاً، بل ولربما ملمين بالعمليات الحسابية أيضاً، وهذا لا ينطبق على عدد كبير منهم. ويفترض تدريب منظمي المشاريع على المحاسبة أن تكون هناك دورات تدريبية متاحة لذلك وأن يكون لديهم الوقت الكافي لترك عملهم من أجل اكتساب هذه المعرفة (أو الحصول على إعانة لذلك).
19- والبديل هو الحصول على خدمات المحاسبة من مورد متخصص وهو الحل الذي يأخذ به الكثير من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في البلدان المتقدمة ولكنه نادر في البلدان النامية. وهنا تنشأ مسألة التكلفة ومشكلة تأمين الحصول على عائد مما يتم إنفاقه من مال. ولا يرى المنظمون أية ميزة في استئجار محاسب خارجي لإعداد أرقام ستُستخدم فقط للأغراض الضريبية. وينبغي لخدمات المحاسبة أن تكون قادرة على إثبات فائدة المعلومات في النواحي الإدارية. وينبغي أن يكون مقدم الخدمة قادراً على توفير طائفة أوسع من الخدمات، بما في ذلك بيانات محاسبية إدارية منتظمة لقياس الأداء وتحسينه.
هاء- البنية الأساسية للمحاسبة
20- إن تطور الإبلاغ المالي قد نشأ نتيجة للثورة الصناعية. وتعتبر المحاسبة شرطاً أساسياً مسبقاً لتنظيم العمل. ومن ناحية أخرى، لم تكن هناك تاريخياً حاجة كبيرة إلى المحاسبة في البلدان التي يتمثل نشاطها الأساسي في الزراعة. وفي حالات كثيرة، نشأت قواعد المحاسبة بطريقة عشوائية ولم تكن نتيجة لبيئة محاسبية متجانسة. ويؤدي هذا بدوره إلى قلة فعالية التعليم المحاسبي والخدمات المحاسبية بسبب عدم وجود نهج منظم أو موحد.
21- إن لدى الكثير من البلدان النامية بالطبع بعض التراث الاستعماري الذي يتجلى على أوضح وجه في المستعمرات الفرنسية والبريطانية السابقة. ففي أفريقيا الناطقة بالفرنسية، تستخدم بلدان كثيرة خطة محاسبية ولديها متطلبات محاسبية مفصلة خاصة بالمؤسسات الصغيرة، بينما توجد في البلدان الناطقة بالإنكليزية تشريعات صيغت على غرار قانون الشركات في المملكة المتحدة لعام 1948. وقد ناقش معلقون كثيرون مسألة ملاءمة أو عدم ملاءمة هذه القواعد المستوردة. ومن الحجج الممكنة أن النظام الفرنسي قد وضع على الأقل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وإن كان يتطلب نظاماً مفصلاً إلى حد بعيد للمحاسبة حتى بالنسبة لأصغر المؤسسات حجماً. وبالتالي فإن هذا يمثل عائقاً، ولا يشجع المؤسسات البالغة الصغر في القطاع غير الرسمي على الانتقال إلى القطاع الرسمي. أما النظام البريطاني فمصمم لتلبية احتياجات الشركات الكبيرة المسجلة في البورصة، وهو إلى حد كبير غير ملائم بالنسبة للأغلبية العظمى من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في البلدان النامية.
22- وفي بلدان نامية كثيرة، تؤدي الشركات التابعة للشركات عبر الوطنية الأجنبية والمنظمات شبه الحكومية دوراً رئيسياً في الاقتصاد. وتجلب الشركات التابعة للشركات عبر الوطنية استثمارات كبيرة وتولد فرصاً للعمل ولكنها كثيراً ما تكون قادرة على التفاوض لإبرام اتفاقات خاصة مع الحكومة المضيفة فيما يتعلق بالضرائب وبغيرها من قضايا الإبلاغ. وفي جميع الأحوال، تحتفظ الشركات التابعة للشركات عبر الوطنية غالباً بسجلات داخلية لتلبية احتياجات النظام الشامل للمعلومات المحاسبية للمجموعة وليس لمراعاة القواعد المحلية.
23- وفي بلدان كثيرة، اتخذت الحكومات خطوات لتشجيع التنمية بإنشاء المؤسسات بنفسها أو أحياناً بالحلول محل الشركات عبر الوطنية في أنشطتها. وتشمل المنظمات شبه الحكومية التي نتجت عن ذلك أنواعاً كثيرة من الأنشطة التي تتراوح بين الأعمال المصرفية وتسويق السلع الأساسية الأولية. ولا تخضع هذه المنظمات شبه الحكومية عموماً للقواعد المحاسبية. فهذه المنظمات كثيراً ما تنشأ بموجب نظام أساسي خاص ينص على متطلباتها المحاسبية. بيد أن وضعها الخاص هذا يعني عادة عدم خضوعها للقواعد المحاسبية التي تنطبق على الشركات الأخرى. وفي حالات كثيرة تكون النظم المحاسبية لهذه المنظمات شبه الحكومية ضعيفة. وهي تتأخر في الإبلاغ عدة سنوات، هذا إذا قامت بالإبلاغ أصلاً.
24- وحيثما تشكل المؤسسات الصغيرة والبالغة الصغر جزءاً كبيراً من الاقتصاد، كثيراً ما تكون القواعد الوحيدة التي تؤثر عليها هي القواعد المتعلقة بالضرائب. والاقتصادات التي توجد فيها أعداد كبيرة من الشركات المتوسطة الحجم هي على الأرجح الاقتصادات التي تخضع فيها المؤسسات الخاصة المحلية لتشريعات محاسبية بهذه الصفة. ويهتم عدد من البلدان النامية اهتماماً شديداً بإقامة البورصات، وكثيراً ما يكون النشاط التنظيمي الأحدث موجهاً نحو هذه الغاية وليس إلى تلبية احتياجات قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وحيثما تكون البورصات هي محور التركيز، توضع القواعد الجديدة عادة على أساس معايير لجنة المعايير الدولية للمحاسبة.
25- وهذا يعني أن قواعد المحاسبة المحلية في معظم البلدان النامية تشمل مجموعة من القواعد المختلفة وربما المتضاربة فيما بينها؛ وأن هناك مجموعة غير مترابطة من القواعد التي تصدر في أوقات مختلفة ولأغراض مختلفة. ويعني الإرث الاستعماري أن القواعد قد استوردت دون التفكير في تكييفها مع الظروف المحلية، أما الاتجاه إلى وضع القواعد لمعالجة حالات معينة عند ظهورها فيعني تعقيد الإطار الأولي بمجموعة متنوعة من التدابير المخصصة لأغراض معينة. والإرادة السياسية اللازمة لإلغاء هذه القواعد والبدء من جديد باتباع نهج شامل ومتناسق كثيراً ما تكون غائبة، وكثيراً ما تدرج المحاسبة في مرتبة متدنية ضمن أولويات الاهتمام الحكومي.
26- والوضع في البلدان التي تمر بمرحلة انتقالية مختلف ولكنه ليس أقل تعقيداً لأن النظم القائمة لا تكيف بسهولة مع استخدامات الاقتصاد السوقي ولكن النظم المستوردة تعتمد على دعمها ببنية أساسية من النهج الأخلاقية والمهنية، وخدمات الدعم، والمفاهيم التي قد لا تكون متوافرة إلى حد بعيد. وتواجه البلدان قدراً وفيراً ومحيراً من "الحلول" المستوردة من الغرب والتي يحتاج استيعابها وتكييفها إلى سنوات كثيرة.
واو - الإبلاغ التفاضلي
27- في معظم فترة المائتي سنة الأخيرة (التي تطور خلالها نظام الإبلاغ المالي كما نعرفه)، اعتبر من البديهي أن يكون هناك نظام واحد فقط للإبلاغ المالي فيما يتعلق بالكيانات التجارية. وقد كان هذا من الأمور المسلم بها رغم أنه كان بإمكان المحاسبين أن يعتقدوا بكل ارتياح بأن القطاع العام لا يحتاج إلى استخدام عمليات محاسبة بعيدة الشبه بالمحاسبة التجارية وبالتالي فإنه ليس من الممكن من حيث المبدأ المجادلة بأنه لا يوجد إلا شكل واحد "صحيح" من أشكال المحاسبة. إلا أن من المشاكل التي شاعت في مجال المحاسبة في البلدان المتقدمة، أن بعض هذه البلدان التي بدأت تعالج قضية الإبلاغ التفاضلي في الداخل، قد واصلت تصدير المفهوم المتمثل في وجود نظام وحيد للإبلاغ المالي.
28- والموقف المشترك في المحاسبة التجارية هو أنه لا يوجد مبرر لقيام أحد الكيانات بعملية محاسبة بصدد نفس المعاملة بأسلوب يختلف عن ذلك الذي يتبعه أي كيان آخر. ومع ذلك، فإن اختلاف التأثير بين مؤسسات الأعمال ذات الأحجام المختلفة هو أمر لا يثير الكثير من الجدل.
29- بيد أن فرضية وجوب قيام جميع الكيانات التجارية بالإبلاغ في نفس الإطار ربما تشكل عقبة رئيسية أمام تطور عمليات المحاسبة المفيدة لأنها تتجاهل ببساطة حقيقة أنه لا وجه للمقارنة مثلاً، من الناحيتين الاقتصادية والتجارية، بين تأثير صفقة تجارية بمبلغ 000 100 دولار على مشروع تجاري يقوم به شخص واحد وتأثيرها على شركة عبر وطنية. فلنفرض أن الصفقة التجارية هي عبارة عن عملية بيع. فلا جدال هنا في أنها ستحسب في كلتا الحالتين كصفقة بيع. بيد أن الإطار، من الناحية الاقتصادية، يختلف كثيراً وينبغي للمحاسبة أن تكون قادرة على بيان هذا الاختلاف. والحجة هي ببساطة أنه بينما لا تتغير الطبيعة الأساسية للمعاملة، فإن الإطار الذي تتم فيه مختلف وبالتالي قد تكون آثارها مختلفة، وينبغي قبول ذلك عند وضع القواعد. وبالمثل فإنه من الممكن تماماً، بل ومن المرجح، أن تكون معاملات الشركات عبر الوطنية مختلفة من حيث طبيعتها ونطاقها عن معاملات المشروع التجاري الذي يقوم به شخص واحد، ولا ينبغي أن تفترض القواعد وجود "قياس واحد يصلح للجميع".
30- إن الاقتناع بأن قواعد المحاسبة ينبغي أن تكون واحدة بالنسبة لجميع المؤسسات يندرج ضمن أسباب وجود عائق محاسبي كبير ينبغي تخطيه عند انتقال العمل التجاري من القطاع غير الرسمي إلى القطاع الرسمي. فالعمل التجاري الصغير ينتقل في الواقع دفعة واحدة من وضع لا توجد فيه حسابات إلى وضع يتوجب عليه فيه اتباع نفس القواعد التي تنطبق على شركة عبر وطنية. وقد اعترفت بعض البلدان، مثل استراليا، بذلك فألغت جميع مطلبات الإبلاغ المتعلقة بالكيانات الصغيرة. وهناك بلدان أخرى مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة قد اعترفت على الأقل، من حيث المبدأ، بأن بيئة الإبلاغ المتعلقة بالأعمال التجارية الصغيرة تختلف عن بيئة الإبلاغ المتعلقة بالأعمال التجارية الكبيرة.
31- غير أن مشكلة المحاسبة في البلدان المتقدمة لا تكمن في جعل الشركات تحتفظ بحسابات، حيث إن المستوى العام للتعليم أعلى والحصول على الخدمات المحاسبية أيسر، بقدر ما تكمن في كيفية تخفيض العبء الإداري عن كاهل الشركات الصغيرة لكي لا تكون متطلبات الإبلاغ المالي (المقررة للشركات الكبيرة) مرهقة أكثر من اللازم. وتحدد دراسة حديثة أجراها المعهد الكندي للمحاسبين القانونيين المشكلة كما يلي:
"نظراً للمفهوم الذي يشير إلى وجود مجموعة وحيدة من مبادئ المحاسبة المقبولة عموماً بالنسبة لجميع المؤسسات، يطلب من الكيانات غير العاملة في الأسواق المالية أن تتبع بصورة أساسية نفس معايير المحاسبة التي تنطبق على الشركات المسجلة في البورصة".
32- وكما هو الحال في كندا، فإن البلدان ذات التقاليد المحاسبية الأنكلوساكسونية عموماً (أ) توجه قواعدها المحاسبية نحو الشركات المسجلة؛ و(ب) تتطلب من الشركات الصغيرة أن تتبع بصورة أساسية جميع القواعد نفسها. غير أن الإجراءات التي اتخذت مؤخراً، مثل معايير الإبلاغ المالي الخاصة بالكيانات الأصغر حجماً في المملكة المتحدة والمبادرة الكندية، لا تخرج عن فكرة وجود مجموعة وحيدة من قواعد القياس المحاسبي ولكنها تتيح فقط بعض التخفيف لمتطلبات الكشف عن البيانات المالية في حالة مؤسسات الأعمال الصغيرة.
33- أما البلدان الأوروبية، فتواجه من ناحية أخرى مشكلة مختلفة وقد بدأت مؤخراً في قبول الإبلاغ التفاضلي. وعلى العموم، تستهدف البلدان الأوروبية بقواعد محاسبتها الأساسية الشركات الخاصة وتشكل الضرائب شاغلاً من شواغلها الرئيسية. والضغط الذي تمارسه مواءمة المعايير الدولية على الشركات الكبيرة المسجلة في عدة بورصات يعني أن بلداناً مثل النمسا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا تقبل الإبلاغ التفاضلي - إذ بات من المسموح به الآن للشركات الدولية الكبيرة المسجلة دولياً، أن تقدم حسابات جماعية على أساس القواعد الدولية لا القواعد المحلية. وتقبل البلدان الأوروبية الفصل بين احتياجات الإبلاغ الخاصة بالشركات الخاصة الأصغر حجماً والشركات عبر الوطنية المصنفة.
زاي - مهنة المحاسبة
34- تتفاوت مرحلة تطور مهنة المحاسبة تفاوتاً كبيراً فيما بين البلدان النامية. فهذه المهنة متقدمة جداً في بعض هذه البلدان وهي، في بلدان أخرى، لا تزال في مرحلة مبكرة من مراحل التطور رغم كونها من المهن الكبيرة. وفي بعض البلدان الأخرى، تكاد هذه المهنة تكون غير موجودة. غير أن شركات المحاسبة الدولية الخمس الكبرى موجودة في معظم البلدان النامية وهي تضمن توافر هذه الخدمة إلى حد ما.
35- غير أنه بينما قد يكون توفير مراجعي حسابات مؤهلين تأهيلاً عالياً أمراً مفيداً للشركات الوطنية الكبيرة وغيرها من الكيانات الهامة اقتصاديا، فإن الفائدة من ذلك هي أقل وضوحاً بالنسبة لقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. فهذه المؤسسات لا تحتاج إلى مشورة متطورة في مجالات المحاسبة والضرائب ومراجعة الحسابات ولكنها تتطلب محاسبة فعالة منخفضة التكاليف وإرشاداً إدارياً. وشركات المحاسبة الكبيرة قادرة بلا شك على توفير هذه الخدمات ولكنها مدربة على مستوى أعلى وتتقاضى أتعاباً تتناسب مع ذلك. وربما يكون خبراء المحاسبة الفرنسيون (experts-comptables) أقرب ما يكونون إلى هيئة مهنية يمكنها أن توفر هذا النوع من خدمات المحاسبة والخدمات الإدارية ولكنهم، بشكلهم الأوروبي طبعاً، يتمتعون بنفس المستوى العالي من التدريب الذي تتميز به شركات مراجعة الحسابات وبالتالي فهم يقدمون خدمات أكثر تطوراً (ومن ثم أكثر تكلفة) مما تتطلبه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم في البلدان النامية.
حاء - الخلاصة
36- إن الهدف من هذا الجزء الأول من التقرير هو تحديد المجال الذي يستوجب التحليل. ويبين هذا الجزء أن المحاسبة هي عقبة من العقبات الرئيسية (ولكنها ليست بالقطع العقبة الوحيدة) التي تمنع المؤسسات البالغة الصغر من النمو، وتسبب الصعوبات للشركات الصغيرة. والافتقار إلى المحاسبة يشكل عقبة في سياق تنظيم الإدارة بسبب عدم قدرة منظم المشروع على معرفة إيرادات ومصروفات الشركة بوضوح، وكذلك في سياق التمويل بسبب عدم قدرة الشركة على الاقتراض أو الحصول على أشكال التمويل الأخرى اللازمة للتوسع. ولا ترغب جميع المؤسسات البالغة الصغر في النمو ولكن التوصل إلى اقتصاد محلي مزدهر يتوقف على تطور بعض المؤسسات البالغة الصغر على الأقل وتحولها إلى شركات أكبر حجماً. كما أن الشركات تحتاج، لتأمين بقائها وقدرتها على المنافسة في اقتصاد عالمي متعولم، إلى استمرار الوصول إلى التمويل والشركاء من أجل الحصول على التكنولوجيا وتوسيع نطاق أسواقها. ولكن الدائنين والمستثمرين والشركاء يطلبون معلومات مالية يمكن توليدها بأقصى قدر من الكفاءة عن طريق نظام بسيط ومتناسق.
37- وعلى هذا الأساس، كثيراً ما تنظر مؤسسات الأعمال الصغيرة إلى المحاسبة كنافذة تفتح للحكومة لكي تبدأ في تحصيل نصيبها من الأرباح. ولا يعرف أصحاب المشاريع كيف يستخدمون المحاسبة لتحسين أعمالهم ولا يستطيعون الوصول إلى ما يحتاجون إليه من خدمات محاسبية يمكنهم تحمل تكلفتهاالفصل الثاني
القواعد القائمة حالياً
ألف - مقدمة
38- لقد انطوى جزء كبير من العمل المتعلق بهذه الدراسة على جمع معلومات عن الحالة الراهنة للقواعد والمشاكل التي تواجه في تطبيقها. وفي المراحل المبكرة من مشروع البحث، التمست الأمانة المساعدة من أعضاء فريق الخبراء الحكومي الدولي العامل المعني بالمعايير الدولية للمحاسبة والإبلاغ ومن غيرهم وتلقت عروضاً من أشخاص في عدد من البلدان. وبناء على العروض الواردة، جمعت الأمانة مواد عن البلدان التالية:
أمريكا اللاتينية: الأرجنتين والبرازيل؛
أفريقيا: بوتسوانا والكاميرون وكينيا والمغرب؛
الشرق الأوسط: لبنان؛
الشرق الأقصى: سنغافورة وماليزيا؛
الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية: بولندا وكازاخستان.
39- وبينما لا يدعى أن هذه العينة تمثل جميع الاقتصادات فإنها تشمل أمثلة تمتد من البلدان الحديثة العهد بالتصنيع إلى بلدان لا تزال في المراحل الأولى من التنمية. ومن الناحية التاريخية، تنطوي عملية التنمية على الانتقال من اقتصاد مكرس للزراعة إلى حد بعيد، إلى التصنيع ومنه إلى مرحلة ما بعد التصنيع حيث يكون الاقتصاد مكرساً للخدمات أساساً.
40- وكما ذكر أعلاه، فإن للضرائب تأثيراً كبيراً على المحاسبة حيث إن المحاسبة تستخدم لتقدير الأرباح التي ستفرض عليها الضرائب. ومن الواضح أن المدى الذي تشكل فيه ضريبة الدخل مدخلاً من المدخلات الرئيسية للخزانة العامة يمكن أن يؤثر على النهج الذي تتبعه الحكومات إزاء تحصيل هذه الضرائب.
باء - تنظيم المحاسبة
41- إن الإطار المحاسبي في بلدان كثيرة هو خليط من القواعد المتوارثة المستمدة إما من الماضي الاستعماري أو من الروابط التجارية التاريخية. ولقد تم تعزيز هذا الإطار الأساسي عادة بسلسلة من التدابير الرامية إلى تلبية الاحتياجات المحلية كما تم تعزيزه مؤخراً، بشكل أو بآخر، باعتماد معايير لجنة المعايير الدولية للمحاسبة. ويبين المرفق الثاني مدى مشاركة بلدان العينة في معايير المحاسبة الدولية.
42- ويتبين من المعلومات المتاحة أن هذه البلدان تركز الآن جهودها التنظيمية على المعايير التي وضعتها لجنة المعايير الدولية للمحاسبة. وكما لوحظ أعلاه، فإن هذا قد يؤدي إلى حالة تطبق فيها مجموعات غير مترابطة من القواعد المحاسبية في ذات البلد، ومن ثم فإن من المعقول أن يكون هناك بعض الترشيد. وبالنظر إلى أن أكثر مجموعات القواعد تطلباً هي المجموعة التي وضعتها لجنة المعايير الدولية للمحاسبة، فإن هذه القواعد ينبغي أن تحدد بالنسبة للكيانات والمؤسسات شبه الحكومية الكبيرة أو المسجلة، ولكن ذلك ينبغي أن يكون مقترناً بقواعد أخف (تتفق مع نهج المعايير الدولية) بالنسبة للكيانات الخاصة الأصغر حجماً.
43- إن طابع النقص الذي يتسم به تنظيم المحاسبة هو من المشاكل التي تطرح نفسها في أحيان كثيرة. فتنظيم المحاسبة كثيراً ما يركز على احتياجات الكيانات الأكبر حجماً أو البورصات ولا توجد قواعد تخص المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم تحديداً. فالقواعد المتصلة بالضرائب المفروضة على الأرباح هي وحدها التي تخص الكيانات الأصغر بصورة مباشرة. ولتقديم ملخص واف للموقف الحالي في بلدان العينة، أعدت الأمانة جدولاً موجزاً للنقاط الأساسية. وقد ورد جزء من هذه المعلومات من المكاتب المحلية لشركة ديلويت وتوش وبرايسووترهاوس كوبرز (Deloitte & Touche and Pricewaterhouse Coopers)، كما ورد جزء آخر من باحثين متطوعين. وقد طرحت خمسة أسئلة أساسية ترد الردود عليها في المرفق الثالث.
44- والهدف من المرفق الثالث هو تقديم صورة إجمالية للحالة بالنسبة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وهو يبين وجود اختلافات كبيرة بين البلدان من حيث النهج الذي تتبعه، وبخاصة من حيث ما إذا كانت تعتبر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم فئة خاصة أم لا. وفي معظم الأحوال، لا توفر البلدان أي إطار خاص للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وفي حالة عدم خضوع هذه المؤسسات للقواعد السارية على الكيانات الأكبر حجماً، يكون السبب في ذلك هو الخروج على هذه القواعد بطريقة غير رسمية وليس نتيجة لسياسة متعمدة. ومن الواضح أن للأطر المتوارثة تأثيرها، حيث إن الحالة في لبنان والمغرب تعكس المؤثرات الفرنسية السابقة في النهج الذي يتبعه هذان البلدان إزاء المؤسسات الصغيرة، بينما يعكس النهج الذي تتبعه كينيا وماليزيا وسنغافورة الرفض البريطاني للاعتراف بمؤسسات الأعمال الصغيرة كفئة خاصة.
جيم - البحث الميداني
45- لئن كان إجراء دراسة استقصائية للتنظيم أمراً مفيداً، فإن الجانب الرئيسي لأي محاولة لاستقصاء تنظيم قطاع معين يتمثل في معرفة كيفية تأثير تجربة التنظيم على الواقع القائم. ومن الجوانب الرئيسية لهذه الدراسة ما تمثل في إمكانية إجراء بحث ميداني لتجارب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم بصدد الإطار التنظيمي الذي يواجهها. وكان النهج المقرر هو إجراء سلسلة من المقابلات مع مختلف الأطراف الفاعلة في الميدان: منظمو المشاريع، والمسؤولون الحكوميون، والمستشارون المهنيون. وكانت الموارد المتاحة محدودة للغاية، ولكن الأمانة كانت محظوظة جداً إذ أتيح لها الحصول على بعض البيانات من خلال المساعي الحميدة للباحثين الذين تمكنوا من تلبية احتياجاتنا البحثية في معرض قيامهم بالأبحاث الخاصة بهم. وترد فيما يلي خلاصة للنتائج التي توصلوا إليها. وقد فضلنا عدم تحديد البلدان المعنية؛ فهذه مجرد أمثلة عن أنواع المشاكل التي قد تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، وليس الهدف منها إلقاء الضوء على التنظيم أو النهج المتبع، في بلد بعينه، كما أنه لا يمكن بالضرورة استخلاص استنتاجات عامة منها. والمشاكل المحددة قد تكون أو لا تكون موجودة في أي بلد من هذه البلدان.
البلد ألـف
46- أجرى الباحث مقابلات مع عدد من الأشخاص وكان من الواضح أن مسألة الضرائب هي قضية رئيسية. ولاحظ أحد هؤلاء الأشخاص أن جميع مؤسسات الأعمال تدفع ضرائب نسبتها 32.5 في المائة من دخلها الخاضع للضريبة وأنه لا يوجد إعفاء للكيانات الصغيرة أو مؤسسات الأعمال الناشئة. والتهرب الضريبي يحدث على نطاق واسع عن طريق الرشوة وكذلك عن طريق عدم الكشف عن الأرباح. وقال شخص آخر إن النوعية السيئة للبنية الأساسية، والهدر الواضح للأموال المحصلة من دافعي الضرائب، والمستوى المتصور للتهرب من الضريبة هي أسباب قوية لتأفف الناس من دفع الضرائب. وكما قال أحد الأشخاص: "إن الكيانات الفردية ومشاريع المعونة والمؤسسات شبه الحكومية تقدم جميعها أرقاماً غير موثوقة بشكل فاضح. والحل هو التوعية والمزيد من الثقة في النظام. والاعتقاد السائد حالياً هو على حد قوله: "كلما قدمت حسابات سليمة، زادت الضرائب التي يفرضونها علي، ولا يعود على ذلك بأي عائد". وجاء في تعليق آخر إن سلطتنا الضريبية "موفقة بالفعل في تحصيل الضرائب، خاصة بمقارنتها بالبلدان المجاورة، ولكن المشكلة هي أنها تتعقب الداخلين أصلاً في الشبكة الضريبية وليس المتهربين من الضرائب".
47- ورأى أحد منظمي المشاريع أنه ينبغي أن تكون هناك فترة سماح للشركات الجديدة: "أفضل ألا تدفع مؤسسات الأعمال الجديدة أي ضريبة خلال السنتين الأوليين وأن يكون معدل الضريبة متدرجاً لمدة سنة أخرى تقريباً إلى حين استقرار العمل التجاري، مع تطبيق المعدلات الكاملة بعد ذلك".
48- ومن المشاكل الأخرى التي تواجه مؤسسات الأعمال ضرورة الحصول على تراخيص. وقد قال أحد منظمي المشاريع الناجحين، متذكراً الأيام الأولى لعمله: "لقد كانت العملية بأكملها تجربة تعلّم بحد ذاتها، وهذه العملية تحتاج حقاً لنوع من التوحيد بحيث يمكن لمنظم المشروع أن يذهب إلى مكان واحد لتسجيل مشروعه". وقال أحد موردي الخدمات: "إن أكبر مشكلة هنا هي الرشوة والفساد ولا ينجز إلا القليل بدون دفع المال ... والبيروقراطية تبطئ معظم الأمور، والعمليات البسيطة قد تستغرق مدداً طويلة وتؤدي إلى الإحباط، ويصعب جداً الحصول على بيانات كتابية من أي شخص. والبنية الأساسية المنهارة، مثل شبكة الاتصالات الهاتفية والطرق، تزيد من صعوبة إدارة الأعمال".
49- وقد أنشئ في هذا البلد مشروع معونة يعرف بمشروع "المحاسب الحافي القدمين". وكانت الفكرة هي توفير مركز خدمات منخفض التكاليف، يشرف عليه مراجعو حسابات مؤهلون، على أن يزود بموظفين معظمهم من الفنيين، لمساعدة المؤسسات الصغيرة على تقديم حسابات وبيانات إدارية مفيدة. وقد واجه هذا المشروع عدة مشاكل، أولها شكوك العملاء المحتملين الذين كانوا "يعتقدون أننا من مكتب الضرائب" فضلاً عن عدم الفصل بين الأعمال: "لا يفرق أصحاب الأعمال الصغيرة بين البيانات الشخصية وبيانات العمل، وكثيراً ما يساعدهم في عملهم أفراد أسرهم".
50- وقد كانت البداية بطيئة: "كان الرقم المستهدف هو 960 من أصحاب مؤسسات الأعمال الصغيرة وتم الاتصال بنحو 000 2، إلا أن الأمر انتهى بتعاون 55 منهم فقط في المشروع". وكانت تكاليف الخدمة هي 8 دولارات شهرياً؛ وكان من المفروض أن يحتفظ صاحب المؤسسة بتفاصيل عن الدخل والمصروفات وأن يقوم الموظف الفني بقضاء ساعتين شهرياً لتحويل هذه التفاصيل إلى بيانات محاسبية ومعلومات إدارية. وتبين للمشروع أن المؤسسات البالغة الصغر ليست على استعداد لإنفاق المبلغ المقرر. وقد تسبب هذا بدوره في مشكلة تتصل بالاحتفاظ بالموظفين الفنيين الذين كانت أجورهم تحسب على أساس عدد مؤسسات الأعمال التي يخدمونها. ومن أصل 48 موظفاً فنياً بدأ بهم المشروع، انخفض عددهم إلى 20 موظفاً، وكان أكثر هؤلاء الموظفين عملاً يخدم 7 عملاء فقط. وكان رد الفعل هو توجيه محور التركيز نحو عملاء أكبر حجماً وتحديد الرسوم في كل حالة على حدة على أساس التفاوض.
51- وقد انتهى المشروع الآن، ولكن أحد الأشخاص الذين أجريت مقابلة معهم قال: "إن هذا النوع من المشاريع يمكن أن يعود بالفائدة حقاً على مؤسسات الأعمال الأصغر حجماً. ونحن نفكر الآن في طرق تشجيع مؤسسات الأعمال البالغة الصغر على الاستفادة من هذه الخدمة، نظراً إلى تجاربنا في هذا المجال. ومن هذه الطرق المحتملة توليد المزيد من الوعي ومحاولة تنظيم حلقات دراسية؛ والمشكلة الرئيسية هنا هي تأمين حضور أصحاب المشاريع، إذ ربما يتعين على عدد كبير منهم إغلاق مؤسساتهم لكي يحضروا هذه الحلقات. والوضع المثالي هو أن يتسنى الحصول مرة أخرى على قدر من التمويل، بحيث توفر الخدمة لمنظمي المشاريع بالمجان، في السنة الأولى مثلاً، ثم يتم فرض رسم رمزي بعد ذلك. ويؤمل أن يدرك المنظمون عندئذ الفوائد المحتملة للمشروع وأن يبقوا معنا بعد ذلك. بيد أن معظم المانحين يصرون على أن المشاريع ينبغي أن تكون قابلة للاستمرار بذاتها ويرون أنه إذا تم توفير هذه الخدمة للعملاء بالمجان في بداية الأمر فإنهم سيختفون بعد ذلك بمجرد مطالبتهم بدفع رسوم".
البلد باء
52- توجد صلة وثيقة في هذا البلد بين النظام الضريبي والمحاسبة. فجميع الكيانات الفردية تخضع للقواعد المحاسبية بهذه الصفة، ولكن القواعد الضريبية تتطلب أيضاً من مؤسسات الأعمال غير الفردية أن تقدم حسابات معينة. ويطبق هذا البلد نظاماً لضريبة الأرباح التجارية يختلف باختلاف حجم المؤسسة. فلا يتعين على مؤسسات الأعمال الفردية البالغة الصغر (التي تحدد استناداً إلى حدود قصوى لرقم الأعمال) أن تحتفظ بحسابات بل إنها تدفع كضريبة مبلغاً مقطوعاً يحدد بحسب نوع العمل. وينبغي أن تكون لدى مؤسسات الأعمال الفردية الأكبر حجماً دفاتر يومية للمبيعات والمشتريات وقوائم جرد، وتفرض عليها الضرائب بنسبة تبلغ 5 في المائة من رقم الأعمال أو 15 في المائة من رقم الأعمال حسب نوع النشاط. ويجب على جميع مؤسسات الأعمال الأكبر حجماً أن تقدم حسابات كاملة.
53- وقد وجد الباحث أن متوسط المستوى التعليمي لصغار منظمي المشاريع البالغة الصغر منخفض نسبياً وأنهم، على الرغم من إلمامهم بالقراءة والكتابة عموماً، ليست لديهم معلومات فيما يتعلق بالمواضيع التجارية ناهيك عن المحاسبة. وهم يعتبرون المحاسبة ترفاً مكلفاً وظيفته الوحيدة هي دفع مؤسسات الأعمال إلى دفع الضرائب. وليس لهؤلاء المنظمين دراية بالقواعد الضريبية أو بحقوقهم وهم يقعون "فريسة" موظفي الضرائب الفاسدين. ويحدث عادة أن يتصل موظف الضرائب بصاحب المشروع لمطالبته بأن يدفع فوراً مبلغاً يكون أحياناً مرتفعاً جداً على الرغم من عدم وجود مبرر قانوني لمقدار هذا المبلغ ولتوقيت المطالبة بدفعه. ويدفع صاحب المشروع عندئذ رشوة تقل من المبلغ المطلوب ولكنها تفوق الضريبة العادية، لكي ينصرف عنه موظف الضرائب. ويحتاج أصحاب المشاريع هؤلاء إلى المحاسبة لحمايتهم ولكنهم ليسوا على قدر من التعليم يسمح لهم بإدارة حساباتهم بأنفسهم وليست لديهم الموارد الكافية لاستئجار كاتب حسابات.
54- ويتبع بعض المؤسسات الأكبر حجماً نهجاً مختلفاً تماماً إزاء هذه المشاكل. فهي أيضاً ترى أن المحاسبة مكلفة ولكنها ملزمة بتقديم حسابات كاملة. ويفضل بعضها استخدام كتبة حسابات غير مؤهلين وما شابههم من موردي الخدمات غير المسجلين بدلاً من المحاسبين المحترفين المؤهلين نظراً لتكلفة هؤلاء المحاسبين. وقد انتقد أحد المحاسبين المحترفين أصحاب هذه المشاريع لأنهم يدفعون في الواقع ضرائب مفرطة لأنه ليس لديهم ولا لدى مستشاريهم معلومات كافية عن الضرائب تمكنهم من معالجة أمورهم الضريبية بكفاءة.
55- ويبدو من ناحية أخرى أن هناك أصحاب مشاريع آخرين يحتفظون بعدة مجموعات من الأرقام - واحدة للأغراض المصرفية وأغراض التمويل، وأخرى للضرائب، وثالثة للإدارة. وقال الباحث إنه ليس من الواضح ما إذا كان هؤلاء يفهمون نظمهم الملتوية. وعلق أحد المحاسبين المحترفين بأن أمثال هؤلاء كثيراً ما يحاولون تخفيض ضرائبهم بدفع رشاوى لموظفي الضرائب ولكنه ليس من الواضح ما إذا كانت هذه الرشاوى أقل من الضرائب التي كانوا سيدفعونها في ظل نظام سليم ومشورة جيدة.
البلد جيم
56- إن الاقتصاد غير الرسمي في هذا البلد يعتبر بصفة عامة كبيراً جداً لأنه يوفر سبل المعيشة لأعداد كبيرة من السكان، وإن كان لا يولد بالضرورة إيرادات كبيرة. وتواجه الحكومة مشاكل كبيرة لتشجيع السكان على الدخول في شبكة الضرائب وقد طبقت مؤخراً عفواً ضريبياً يمكن بموجبه إضفاء المشروعية على الأرباح غير المعلنة (وزيادة العقوبات بعد ذلك على الذين لا يستفيدون من العفو). وعلى الرغم من نظرة أصحاب المشاريع إلى المحاسبة في هذا البلد، كما في أي بلد آخر، كموضوع يتصل بالضرائب فقط، فلقد أدى العفو إلى دخول عدد كبير من المؤسسات في الاقتصاد الرسمي.
57- ويرى موردو الخدمات المحاسبية أن ضرورة الحصول على التمويل أو التهديد بفرض عقوبات ضريبية هما فقط اللذان يحملان مؤسسات الأعمال الصغيرة على البدء في تقديم حسابات صحيحة. غير أن شريكاً في شركة من الشركات الخمس الكبرى قال إن عدداً من صغار العملاء يأتون إلى الشركة طلباً للمشورة، خاصة عند التماس التمويل، ولكنهم بمجرد الحصول على التمويل (أو التخلص من التهديد الضريبي) يتوقفون عن تسجيل البيانات ولا يعودون مرة أخرى. والضغوط التي يمارسها المصرف المقرض هي وحدها التي تحمل العميل على العودة مرة أخرى مذعوراً. كما لاحظ أن العديد من صغار العملاء يبخسون تقدير تكاليف الخدمة ولا يسددون بالتالي الرسوم المستحقة عليهم للشركة.
58- وهناك قطاع نشط في قطاع موردي الخدمات "غير المؤهلين" في مجال المحاسبة. وهؤلاء الموردون يقدمون عادة مجموعة واسعة من خدمات الأعمال ويحققون نتائج طيبة مع عملائهم من مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم. وقال أحد أصحاب هذه المؤسسات إن الكثير من المؤسسات الصغيرة تفشل لافتقارها إلى المعلومات المحاسبية المناسبة ولا يستطيع العديد منها ببساطة التصرف بفعالية. وأشار إلى حالة أحالها إليه أحد المصارف، وهي تتعلق بتاجرة كانت بحاجة إلى تمويل ولكنها لم تكن لديها فكرة عن هامشها الإجمالي بين أسعار الشراء وأسعار البيع، ولا عن مقدار ما هو مقيّد في مخزوناتها. ولقد كان تحقيق هذا العمل التجاري لأرباح مجرد مسألة حظ. وقال إن الافتقار إلى معلومات عن الإدارة يعني أنه ليس لدى أصحاب مثل هذه المؤسسات فكرة عن وظيفة المحاسبة في إدارة الأعمال وبالتالي فهم لا يجدون فيها أية فائدة غير مساعدة السلطات الضريبية. وقال إن جزءاً كبيراً من عمله هو أن يوضح للعملاء كيف يمكن أن تساعدهم المحاسبة في تحسين أعمالهم.
59- ويستخدم مورد الخدمات هذا مجموعة نموذجية من البرامج المحاسبية لخدمة عملائه، وقال إنه يعتقد أنه يمكن إحراز تقدم كبير في حالة وجود برامج وعمليات محاسبة موحدة. ولاحظ أن هناك ثلاثة مقرضين رئيسيين لمؤسسات الأعمال الصغيرة في مدينته وأن كلاً منهم يطلب إعداد التوقعات المالية الداعمة لطلب القرض بطريقة مختلفة. وهذا يؤدي إلى زيادة التكلفة التي يتحملها المقترض بدرجة كبيرة. ويمكن تجنب ذلك باعتماد نظام موحد يتيح للمصارف أن تعرف أن لدى جميع العملاء نفس النوع من البيانات التي يمكن لهذه المصارف نفسها أن تبني تقديراتها على أساسها.
60- إن تجارب البلدان النامية الثلاثة متماثلة. فلا يزال التهرب الضريبي والفساد يشكلان العاملين الرئيسيين المثبطين للمحاسبة. وليس لدى منظمي المشاريع فكرة عن المحاسبة والإدارة والعمل التجاري. ولذلك فإنهم قد لا يجدون فيها أية جدوى غير مساعدة السلطات الضريبية. وبالتالي، فليس هناك طلب على الخدمات المحاسبية. والنتيجة هي وجود مجموعات متعددة من الدفاتر - للأغراض المصرفية والضريبية والإدارية - تنطوي على معلومات مشوشة إلى حد لا يمكن معه استخدامها.
الفصل الثالث
توصيات
ألف- استنتاجات عامة
61- إن هدف هذا الجزء الختامي من التقرير هو تعيين مختلف سبل العمل المفتوحة أمام الحكومات فيما يتعلق بتقديم المساعدة إلى مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم في مجال المحاسبة. وهو يتناول الحاجة إلى المساعدة، ونوع الأنظمة التي قد تكون مفيدة، والأساليب التي يمكن استخدامها في تقديم هذه المساعدة.
62- وتظهر البحوث الميدانية، أساساً، أن أقلية صغيرة جداً فقط من مديري مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم في البلدان النامية تتوافر لديها قدرة نظامية على مسك الدفاتر، وهذا يشكل عقبة كبيرة أمام نمو الأعمال التجارية لهذه المؤسسات. وبادئ ذي بدء، لا تتوافر للكثيرين من منظمي المشاريع سوى أفكار بالغة الغموض عما إذا كانت أعمالهم التجارية مربحة حقاً وعن هياكل تكاليف أعمالهم. ومن ثم فإنهم ليسوا في وضع يؤهلهم لتحسين ربحيتهم. كما أنهم لا يستطيعون الحصول على القروض اللازمة لتمويل أعمالهم لأنهم لا يستطيعون إثبات ربحية هذه الأعمال أو الأصول التي يمتلكونها. وأخيراً فإنهم يتعرضون لمخاطر من منظور ضريبي لأن الحكومات لا تتوافر لديها بيانات دقيقة تستند إليها في ما تتخذه من قرارات في مجال السياسة الضريبية، وتمنح على أساسها الإعفاءات الضريبية، إلخ. وفي الوقت نفسه فإن هؤلاء المديرين لا يستطيعون الطعن في التقديرات الضريبية المفرطة.
63- وإذا تناولنا مسألة الربحية أولاً، حتى يتبين عندما يجري أداء العمل التجاري كله على أساس نقدي أنه من الصعب تماماً قياس التكاليف والأرباح بدقة لأن النفقات يمكن أن تتعلق بعدة عمليات - فالتاجر يشتري بعض المخزونات التي يتم بعد ذلك فرزها لبيعها بشكل فردي خلال فترة من الزمن، لكنه يمكن أن يتكبد نفقات مثل مصاريف البنـزين، وصيانة المركبات ومصاريف بنود مماثلة لا تتعلق مباشرة بصفقة المنتج وإنما تشكل جزءاً من تكلفة العمل التجاري. وفي هذه الظروف يحتاج منظم المشروع إما إلى تدريب جيد على مراقبة التكاليف أو إلى حاسة فطرية مرهفة في حساب الأرقام، وكلاهما نادران بين منظمي المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم.
64- إن عدم وجود أية حسابات للتكاليف، بما في ذلك حساب المخصصات يعني عدم معرفة الربحية الإجمالية للعمل التجاري. ولا يشكل هذا مشكلة بالضرورة بالنسبة لتاجر الكفاف المفرد لكن أي منظم مشروع يريد تنمية مشروعه التجاري يحتاج إلى هذه المعلومات. وبدون معرفة هياكل التكاليف، لا يستطيع منظم المشروع أن يحدد أي المنتجات هو أكثرها ربحية، ولا أن يحاول تقييد التكاليف إلا بطريقة عامة جداً، ولا أن يوقف الأنشطة التي لا تسهم بشيء. فالعمل التجاري يحتاج إلى معلومات عن التكاليف ومعرفة باتجاهها كي يتسنى تنظيمه وتنميته.
65- ومن منظور خارجي، تظهر قضيتا المساءلة والوضوح اللتان تؤثران على إتاحة التمويل وعلى التدخل الحكومي على السواء. ففيما يتعلق بالتمويل، فإن المقرضين التجاريين يحتاجون على الأقل إلى أدلة على الأداء الإداري الماضي للمقترض، وإلى بعض التوقعات بالنسبة لأدائه في المستقبل. وهذا يعني أن صاحب العمل ينبغي أن يعرف هيكل تكاليفه القائم، وأنماط تدفقاته النقدية، كما ينبغي أن يكون قادراً على إعداد تنبؤات بشأن مشاريعه المقبلة.
66- وعندما يوافق مصرف على منح قرض، فإنه يريد عندئذ أن يكون قادراً على مراقبة أداء العمل التجاري الذي حصل على القرض ورصد قدرته على سداد الدين. وتواجه المشاريع الحكومية ومشاريع وكالات المعونة نفس مشكلة المساءلة - إذ تحتاج الحكومات ووكالات المعونة إلى تقييم مدى وضوح المشاريع المقترحة عليها، كما تحتاج إلى التمكن من رصدها بعد ذلك. ولهذا السبب، يصدر البنك الدولي، على سبيل المثال، دليل المحاسبة الخاص به ويصر على أن تعد المشاريع التي تتلقى المعونة منه تقارير مالية سليمة.
67- وتحتاج الحكومات إلى بيانات اقتصادية عن مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم لأغراض إدارة الاقتصاد وكذلك لأغراض فرض الضرائب. وهذا هو تحديداً السبب الذي يجعل الكثيرين من أصحاب الأعمال يعرضون عن عملية المحاسبة - فهم يعتبرون الوضوح المحاسبي أمراً لا يؤدي إلا إلى فرض الضرائب عليهم، كما أنهم يعتقدون أن عدم الشفافية يحميهم من الضرائب. وهم إلى حد ما ليسوا مخطئين في ذلك، إلا أن عدم الشفافية هذا يعرضهم للضغط المشروع أو غير المشروع من موظفي الضرائب. ويظهر عمل الأمانة التجريبي أن موظفي الضرائب الفاسدين يمكن أن يستغلوا عدم وجود حسابات لكي ينتزعوا رشاوى من أصحاب الأعمال كما أنه على العكس من الالتزامات الضريبية القانونية التي تُفرض حيثما تكون الحسابات متاحة، لا يوجد حد أقصى للرشاوى. ويجيز بعض النظم للسلطات الضريبية أن تفرض الضرائب استناداً إلى تقديرات، وتلقي عبء إثبات خطأ هذه التقديرات على عاتق دافع الضريبة. ولا يستطيع منظم المشروع أن يطعن في التقدير بدون وجود حسابات. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للحكومة أن تدير الاقتصاد ولا أن تحدد احتياجات مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم، ولا أن تحاول تلبيتها بدون توفر بيانات دقيقة عن تلك الأعمال التجارية.
خصائص مقترحة لنظام للمحاسبة في مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم
68- استناداً إلى الاحتياجات المحاسبية الموصوفة أعلاه يمكن تحديد عدة خصائص ينبغي أن يتسم بها أي نظام للمحاسبة خاص بمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم.
1- جدواه الإدارية
69- تتمثل إحدى صعوبات المحاسبة في وجود انقسام كبير بين المحاسبة الإدارية (توليد البيانات لإدارة العمل التجاري) والمحاسبة المالية (تسجيل البيانات على مستواها الأساسي لتزويد المصارف، والمنظمين، وحملة الأسهم، والسلطات الضريبية بالمعلومات). ويتمثل أحد أسباب هذا الانقسام في أن المحاسبة المالية تنظم عادة على أساس وطني، بينما لا توجد أية أنظمة للمحاسبة الإدارية، كما أن نفس الأساليب تستخدم بشكل واسع (وإن كان غير موحد) على نطاق العالم. وبالنظر إلى أن القواعد الوطنية قد تتفاوت تفاوتاً كبيراً، فإنه قلما جرت محاولات في الماضي لدمج المحاسبة الإدارية مع المحاسبة المالية. وحتى نظام المحاسبة العام الفرنسي الذي يتضمن فرعاً غير إلزامي عن حسابات الإدارة قد أخذ الآن يفقد ذلك العنصر.
70- ولا تشعر الشركات الكبيرة بهذا الانقسام لأن وحدات المحاسبة لديها تكلف عادة بمهام الاحتفاظ بقواعد بيانات المحاسبة ثم استخدامها في إعداد كافة أنواع التقارير اللازمة للاستخدام الداخلي والخارجي على السواء. إلا أن كثيراً من مؤسسات الأعمال الصغيرة تنظر إلى المحاسبة على أنها لا تخدم إلا الغرض الأخير، كما أنها لا تقدر قيمة بيانات الإدارة؛ فإذا كان لديها دفاتر حسابات، فإنها لا تحاول غالباً استخدامها لأغراض الإدارة. ويحاول بعض برامج المحاسبة الإلكترونية سد تلك الفجوة. وعلى أي حال، ينبغي لأي نظام أن يتضمن شرطاً يقتضي أن تكون البيانات قابلة للاستخدام في تزويد الإدارة بالمعلومات.
71- ويتعين أن يكون نوع المعلومات الإدارية اللازم متضمناً تفاصيل تحليلية كافية لتمكين المدير من تبين حجم المساهمة(4) التي يسهم بها كل منتج رئيسي أو كل خط من خطوط إنتاج العمل التجاري (إذا كان هناك أكثر من منتج أو خط واحد). وهذا يقتضي ضمناً توفر نوع من المعلومات الواضحة عن التكاليف المتغيرة والثابتة، بما في ذلك مخصصات استهلاك الأصول وغيرها من المخصصات.
2- التوحيد
72- قد يبدو عند مستوى ما أن التوحيد أمر مستصوب لأسباب تتعلق بالكفاءة. إلا أن المحاسبين الأنغلو - ساكسونيين، بوجه خاص، قد عارضوا التوحيد في الماضي على أساس أنه يؤدي إلى أرقام بلا معنى لأنها لا تعبر عن الطبيعة الفردية للعمل التجاري. وقد يكون الأمر كذلك، أو قد يكون هذا انطباعاً لا يوجد مبرر حقيقي له. فقد تبين لبلدان مثل المملكة المتحدة أن الكشف عن البيانات (بيانات الدخل في هذه الحالة) قد تحسّن باستخدام الاستمارة الموحدة للبيانات المالية المفروضة داخل الاتحاد الأوروبي. وحتى لو كانت حرية الاختيار هامة فليس من الواضح أن المبادئ الأساسية تسمح بقدر كبير من الحرية - فالأصول لا يمكن أن تتحول فجأة إلى خصوم، كما أن الايرادات لا تصبح نفقات، وهلمجرا.
73- وعلى العكس من ذلك يمكن لحرية الاختيار أن تؤدي إلى أوجه عدم كفاءة. وحسبما أوضح من قبل، فقد لاحظ مورد خدمات جرت مقابلته أثناء البحث الميداني أنه لا توجد في إحدى البلدات الكبيرة سوى ثلاثة مصارف يمكن أن تلجأ إليها مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم التماساً للتمويل، لكن كل مصرف منها يطلب شكلاً مختلفاً من اسقاطات التدفق النقدي. وهذا يعني أن على منظم المشروع أن يدفع تكاليف ثلاثة اسقاطات مختلفة عند طرقه أبواب تلك المصارف التماساً للتمويل. ومن الواضح أن هذا يؤدي إلى نتائج عكسية. ولذلك فإن وجود نظام موحد هو أمر من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق وفورات كبيرة جداً. فتوفير البرامج الالكترونية، والدورات التدريبية، وخدمات المحاسبة، وإعداد الكشوف الضريبية، ومراجعة الحسابات، ونقل الموظفين بين أصحاب العمل هي عمليات تستفيد جميعها من وجود نظام موحد. كما أن من شأن وجود هذا النظام أن يشجع مؤسسات الاقراض وجميع من تربطهم صلة بمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم على تدريب موظفي تلك المؤسسات على استخدام البيانات المعدة بطريقة موحدة.
74- ويتعين الاعتراف في الوقت نفسه بأن احتياجات العمل التجاري البسيط في مجال المحاسبة هي احتياجات بسيطة، إلا أنه مع نمو العمل التجاري تزداد حاجته إلى معلومات داخلية أكثر تطوراً وإلى الكشف عن بياناته للعام الخارجي. ولهذا السبب يحتاج النظام إلى التطور من استخدام السجلات البسيطة جداً إلى العمل بنظم أكثر تعقيداً. ويعتبر نظام المحاسبة في غرب أفريقيا (SYSCOA) الذي استحدث مؤخراً في منطقة أفريقيا الناطقة بالفرنسية مثالاً جيداً على ما يمكن أن يوصف بنظام "متداخل" يتيح لمؤسسات الأعمال البالغة الصغر إمكانية أن تسجل فقط المعاملات النقدية البسيطة في حين تنتقل مؤسسات الأعمال الصغيرة الحجم إلى نظام محاسبي كنظام "دفتر الأستاذ" يستند إلى القيد المحاسبي على أساس الاستحقاق لكنه نظام بسيط. ويمكن توسيعه بعد ذلك بحيث يصبح، في نهاية المطاف، نظاماً كاملاً للإبلاغ وفقاً للمبادئ المحاسبية الدولية.
75- وتؤيد الأمم المتحدة المعايير الدولية للمحاسبة (IAS)، باعتبارها الأساس للإبلاغ المالي الجيد من قبل الشركات الكبرى المسجلة دولياً، كما أن بلداناً نامية كثيرة تبني أيضاً قواعدها الوطنية في مجال المحاسبة على أساس المعايير الدولية للمحاسبة. ويتمثل المنطق الحكومي بصدد دعم الأعمال التجارية الصغيرة في تشجيع تطور الاقتصاد المحلي عن طريق مساعدة الأعمال الصغيرة على أن تصبح أكبر. ويترتب على هذا أنه إذا تكللت هذه السياسة بالنجاح، فإن نظام المحاسبة في حالة الأعمال التجارية الصغيرة لا بد وأن يؤدي إلى انتقال نحو الامتثال لقواعد الشركات الكبيرة، ومن ثم الامتثال للمعايير الدولية للمحاسبة.
76- إن المعايير الدولية للمحاسبة يمكن أن تنطبق من الناحية العملية على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم لأن الأساس الذي يستند إليه معظم عمليات الإبلاغ وفقاً للمعايير الدولية للمحاسبة هو نظام لحساب التكاليف التاريخية يقوم على القيد المحاسبي على أساس الاستحقاق. وتكون هذه المعايير غير مناسبة عندما تستعبد الإبلاغ لأغراض ضريبية، وعندما تُدرج معاملات لصفقات معقدة كثيرة لا تضطلع بها مؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم. وتمثل هذه الصفقات مشكلة عملية ذلك أن المحاسب الذي يطبق المعايير الدولية للمحاسبة يحتاج إلى معرفة بالمحاسبة أوسع بكثير من الفني الذي يقوم بتشغيل نظام بسيط يقوم على حساب التكاليف التاريخية/القيد المحاسبي على أساس الاستحقاق. وينبغي للمحاسب الذي يقوم بإعداد تقارير سنوية وفق المعايير الدولية للمحاسبة أن يكون قادراً بشكل واضح على تطبيقها، ولذلك تكون التكاليف المهنية التي يتحملها العمل التجاري الذي يطبق المعايير الدولية للمحاسبة تكاليف مرتفعة ولا تحقق أية فوائد.
77- إن نظام المحاسبة الأساسية الذي يقوم على حساب التكاليف التاريخية استناداً إلى القيد المحاسبي على أساس الاستحقاق يتمشى في شكله البسيط مع المعايير الدولية للمحاسبة، ولذلك فهو يعتبر مناسباً كنقطة انطلاق للشركات الصغيرة الحجم، دون أن تحتاج إلى تطبيق المعايير الدولية للمحاسبة، بهذه الصفة، تطبيقاً رسمياً.
3- التساوق الضريبي
78- تعتبر العلاقة مع الإبلاغ الضريبي مسألة أصعب. فالشركة الكبيرة لا تجد صعوبة، لا سيما باستخدام النظام المحوسب في الاحتفاظ بالمعلومات بطريقة تمكنها من تقديم تقارير "اقتصادية" لأغراض الادارة وحملة الأسهم فضلاً عن تقارير ضريبية للسلطات الضريبية. وهذا يمثل عدم كفاءة بالنسبة للشركات الأصغر لأن الاحتفاظ، كما يقتضي الحال، بمجموعتين من الأرقام، واحدة للضرائب وأخرى للإدارة هو أمر مكلف في الحالتين من حيث وقت المحاسبة كما أنه يمكن أن يُربك منظم المشروع. ولهذا السبب قد يتعين الاحتفاظ بالسجلات على أساس موحد يتسق عادة مع المتطلبات الضريبية بل ومع التقارير الرامية إلى توضيح الآثار الضريبية على القياس، بطريقة بسيطة. ولا تتناول المعايير الدولية للمحاسبة حالياً مسألة كيفية الاحتفاظ بسجلات المحاسبة بل هي تتناول فقط المبادئ التي ينبغي تطبيقها في البيانات المالية السنوية. ولذلك يبدو أنه ليس هناك أي تناقض واضح مع المعايير الدولية للمحاسبة إذا تم الاحتفاظ بقواعد البيانات على أساس يراعي المتطلبات الضريبية في حالة الكيانات الصغيرة الحجم.
79- والمجالان اللذان يمكن أن يتأثرا بهذا، هما على الأرجح حساب معدل استهلاك الأصول والمخصصات الاحتياطية. وتحدد سلطات ضريبية كثيرة معدلات لاستهلاك الأصول تكون مقبولة لديها أو تكون على الأقل قد تفاهمت عليها. وإذا كانت هذه المعدلات أعلى مما هو واقعي اقتصادياً (وكثيراً ما تستخدم الحكومات معدلات استهلاك متسارعة لمساعدة الأعمال التجارية على الاستثمار ولكنها يجب أن تسجل في دفاتر الحسابات على أساس أنها مبالغ قابلة للاقتطاع، فإن العمل التجاري سوف يُظهر عندئذ تكاليف عالية بشكل مصطنع في بعض الفترات ومنخفضة بشكل مصطنع في فترات أخرى. ويحتاج المديرون إلى إدراك هذا التشوه. وتجيز بعض السلطات الضريبية أيضاً استخدام المخصصات الاحتياطية للمساعدة في المحافظة على القاعدة الرأسمالية للشركة (لأن ذلك بدوره يعزز العمالة)، لكن هذا يشوه أيضاً التكاليف الظاهرية للعمل التجاري.
80- وليس من الواضح عند أدنى نقطة من نقاط تدرج حجم الشركات بمختلف أشكالها أن أي نظام محاسبة تراكمي يمكن أن يكون فعالاً من حيث التكاليف بالنسبة لمنظم المشروع. فبعض السجلات البسيطة تعتبر ضرورية لتوفير معلومات إدارية وبيانات اقتصادية. ويجري تناول هذا في النظم التي تتبع النموذج الفرنسي عن طريق السماح للشركات الصغيرة جداً بألا تسجل سوى المبيعات، وأن تطبق نظاماً ضريبياً (رهناً بحدود رقم الأعمال) يستند إما إلى نسبة مئوية من رقم الأعمال أو إلى مبلغ ثابت.
جيم - نهج مقترح لنظام محاسبة لمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم
81- ولذلك يقترح استحداث إطار خاص بمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم. وهذا الإطار يقوم على الاتساق مع المعايير الدولية للمحاسبة، لكنه يوفر مجموعة متداخلة من القواعد التي يمكن من خلالها، ومع نمو العمل التجاري، الارتقاء المتدرج على سلّم التطور المحاسبي بدءاً من إعداد الحسابات على أساس نقدي، ومروراً بالحسابات التراكمية البسيطة، وصولاً في النهاية إلى تطبيق كامل للمعايير الدولية للمحاسبة. ويعترف هذا النظام بأن تقليل متطلبات الكشف عن البيانات في إطار المعايير الدولية للمحاسبة ليس حلاً كافياً بالنسبة لاقتصاد نامٍ. فالانتقال من وضع لا يحتفظ فيه بحسابات على الاطلاق إلى تطبيق كامل للمعايير الدولية للمحاسبة ينبغي أن يكون سلساً بقدر الإمكان، وخالياً من الخطوات الفجائية. والنظام المقترح هو:
• مؤسسات الأعمال البالغة الصغر (الحد الأقصى للعاملين فيها 5 أشخاص): حسابات تستند على أساس نقدي
• مؤسسات الأعمال الصغيرة الحجم (التي تستخدم من 6 إلى 50 شخصاً): نظم محاسبة تراكمية الأساس، يُفضل أن تستخدم جدول حسابات نموذجياً وذا هيكل مبسط، ويوفر أيضاً معلومات إدارية
• مؤسسات الأعمال المتوسطة الحجم (التي تستخدم 51 إلى 250 موظفاً): نظام محاسبة تراكمي الأساس، يتسق مع المعايير الدولية للمحاسبة ويستخدم جدولاً أكثر تعقيداً
• مؤسسات الأعمال الكبيرة غير المسجلة في البورصة: حسابات تمتثل، إلى حد كبير، للمعايير الدولية للمحاسبة
• مؤسسات الأعمال الكبيرة المسجلة في البورصة: حسابات تمتثل بشكل كامل للمعايير الدولية للحسابات
82- ولا تحتاج مؤسسات الأعمال الصغيرة إلا إلى قواعد بيانات بسيطة جداً، فهي لا تعقد سوى أنواع قليلة مختلفة من الصفقات، ولا تحتاج إلا إلى ملخصات حسابات بسيطة. فعلى سبيل المثال، يقدم جدول الحسابات الفرنسي التقليدي رموزاً من ثلاثة أرقام لفئات أساسية من البيانات، مثل 210 بالنسبة للأصول المادية الثابتة. وفي حالة العمل التجاري البسيط جداً، قد لا يحتاج الأمر إلى مزيد من التحليل، لكن مع نمو العمل التجاري واكتسابه مزيداً من الأصول، يمكنه إما زيادة ملفاته عن طريق استخدام الرمز الرقمي 211 (مثلاً للمباني و212 للأراضي، الخ.)، أو استخدام رموز من أربعة أو خمسة أرقام (100 2 للمباني، و101 2 للأراضي، إلخ.). وهذا يعني أن الهيكل الأساسي لقاعدة البيانات (ومن ثم لنظام المحاسبة) يكون هو نفسه أياً كان حجم الشركة (كأن تكون للأصول المادية الثابتة جميعاً رموز تبدأ برقم 21)، ولذلك فبمجرد أن يتم الشخص تدريبه فإنه يمكنه فهم حسابات أي عمل تجاري، لكن العمل التجاري الصغير لا يحتاج إلا إلى قاعدة بيانات بسيطة جداً يسهل إدخال البيانات فيها ومن ثم إنتاج تقارير بسيطة.
83- ويقدِّم المرفق الأول - ألف مثالاً عن جدول الحسابات البسيط هذا يشمل جميع فئات كشوف الميزانية الأساسية وبيانات الدخل، ولكن يمكن توسيعه مع نمو العمل التجاري ليوفر مجموعة أكثر تعقيداً من ملفات البيانات مع الاحتفاظ بنفس الهيكل. وقد جرى اختصار المثال المقدم من جدول الحسابات المختصر المستخدم في فرنسا والذي يعتبر هو نفسه صيغة مختصرة من الجدول الخاص بالشركات الكبرى.
84- وعلى الرغم من وجود نهج ممكنة أخرى، فإنه يمكن لمؤسسات الأعمال الصغيرة أن تبدأ بهذا النظام البسيط جداً ثم تنتقل إلى جداول الحسابات الأكثر تعقيداً حسبما يتطلب ذلك تعقد العمل التجاري. وينبغي أن تكون كل صيغة من صيغ الجدول متسقة مع الصيغ الأخرى وأن تؤدي في النهاية إلى وضع تقدِّم فيه أعقد صيغة جميع البيانات اللازمة لإعداد حسابات سنوية متسقة تستند إلى المعايير الدولية للمحاسبة.
85- وتكمن الميزة الرئيسية لهذا النهج بالنسبة لبعض الاقتصادات في أنه يوفِّر درجة معينة من التوحيد، ويتيح ضمن أشياء أخرى خفض تكاليف التدريب، واستخدام برامج الحاسوب، واستمارات موحدة، وييسر تفهم المقرضين. وتتمثل ميزة أخرى في أنه، نظراً لأن المستوى الأساسي للنظام بسيط جداً ويستخدم حداً أدنى من الفئات، فإنه يقلل قدر الإمكان من المشاكل بالنسبة لمن لا خبرة لهم. ومع ذلك، فإن هذه الفئات تتسق اتساقاً كاملاً مع الفئات المتعلقة بالشركات الأكبر التي تطبق بشكل كامل المعايير الدولية للمحاسبة، كما يمكن بسهولة توسيعها مع نمو الأعمال التجارية الصغيرة.
86- ويبين المرفق الأول - باء نموذجاً مقترحاً لبيان الدخل مخصصاً لمؤسسات الأعمال الصغيرة والمتوسطة الحجم. ويتمثل الاقتراح المقدم في هذا الصدد في وجوب ربط جدول الحسابات (كما هو الحال في الجدول الفرنسي) بعرض البيانات المالية. إلا أنه بينما يُعتقد أن تقديم أرقام منفصلة للأغراض الضريبية مقابل أرقام منفصلة للأغراض الإدارية هو أسلوب غير فعال من حيث التكلفة، فإن من شأن البيان الموحد أن يقدم على نحو مفيد ليس فقط الأرقام الإجمالية وإنما أيضاً بعض التحليل للتكلفة عندما تنتج مؤسسة الأعمال أكثر من منتج واحد أو تمارس أكثر من نوع واحد من أنواع النشاط، كما يمكن إجراء تمييز بين التكاليف التي تحسب وتلك التي لا تحسب لأغراض الضرائب وذلك من أجل مساعدة منظم المشروع في التقريب بين الأرباح التي تبينها حساباته، والأرباح المحسوبة للأغراض الضريبية في البلدان التي يكون فيها هذان الحسابان مختلفين. ويتضمن المرفق الأول - جيم نموذجاً مقترحاً للميزانية. ويتسق هذا النموذج مع المبدأ التوجيهي الرابع ومع المعيار 1 من المعايير الدولية للمحاسبة. ويقدم المرفق الأول - دال نموذجاً لبيان التدفق النقدي يتسق مع المعيار 7 من المعايير الدولية للمحاسبة.
التعديل الأخير تم بواسطة : master بتاريخ 2010-05-12 الساعة 05:35 PM.