مستقبل التكامل الاقتصادي
بين الدول مجلس التعاون الخليجي

أضحت الحاجة إلى تحقيق المزيد من التكامل الاقتصادي بين الدول هدفا استراتيجيا و ضرورة تفرضها التطورات الاقتصادية العالمية في ظل مناخ العولمة و ما نتج عنها من بروز كيانات و مصالح اقتصادية دولية لا تهتم كثيرا بالكيانات الصغيرة و الهامشية و تعطي الأولوية للتكتلات الاقتصادية التي تستطيع الصمود في وجه المنافسة العالمية . تصنف اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي ضمن اقتصاديات الدول النامية رغم أنها تدخل في إطار الاقتصاديات النفطية التي تتميز بدرجة عالية من الطاقة التمويلية و ارتفاع مستوى الفرد فيها , و لما كان النفط من أهم المصادر دخل دول المجلس , فأنة من البديهي إن يعتمد الاقتصاد الكلي على ما يتعرض له قطاع النفط من تغيرات و قد أدركت هذه الدول الخطورة التي تكمن في الاعتماد على السلع الاستراتيجية واحدة مثل النفط , لذلك فقد اتجهت إلى محاولة تنويع المصادر الدخل و بالتالي مصادر الدخل و بالتالي تنويع الصادرات من اجل التخفيف من تأثير العوامل الخارجية و تقلبات السوق العالمية .

تعمل اقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي حاليا في ظل متغيرات اقتصادية عالية مسارعة و تسعى دول مجلس التعاون الخليجي للمحتفظة على اقتصاديات مستقرة و أسعار صرف لعملائها ثابتة و تخفيض معدلات التضخم فيها و تحقيق عائد مناسب للاستثمار بهدف جب رؤوس الأموال مع استمرار بدل الجهود لحماية البيئة في المنطقة .

مستقبل الاستثمار في الدول مجلس التعاون الخليجي :
من المتوقع أن يؤدي قيام سوق أوروبية موحدة و منطقة اقتصادية أوروبية و عملة أوروبية موحدة (اليورو) إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات دول مجلس التعاون الخليجي إلى المنطقة الاقتصادية ( الأوروبية ) و يؤكد هذه التوقعات الارتفاع المتوقع لعائدات النفطية لدول المجلس خلال العق الأول من الألفية الثالثة و رغبة دول المجلس في توفير قدر اكبر من التنويع الجغرافي لاستثمارها
و يرى المسئولون في المقر السوق الأوروبية المشتركة في بروكسل انه ليس من المؤكد أن تكون الاستثمارات الأوروبية في دول مجلس التعاون الخليجي بنفس ديناميكية الاستثمارات الأوروبية في دول مجلس التعاون الخليجي في أوروبا . حيث إن دول مجلس تمثل من حيث طاقتها السوقية ( من ناحية الجمالي ناتجها القومي ) نسبة ضئيلة من طاقات المنطقة الاقتصادية الأوروبية . و لكن من المتوقع أن يؤدي اعتماد وحدة النقد الأوروبية ( اليورو) كعملة الأوروبية موحدة إلى تعزيز التعاون القائم بين البنك المركزي الأوروبي و دول مجلس التعاون الخليجي و ستجد دول المجلس نفسها أمام إغراء الاحتفاظ بجزء من احتياطياتها بهذه العملة ( اليورو) و لكن كيف يرى الاقتصاديون مستقبل الاستثمار الأوروبي في دول مجلس التعاون الخليجي ؟ ردا على هذا السؤال في السوق الأوروبية اليوم رأيان :
الرأي الأول – ينادي بضرورة تعزيز الاستثمارات في دول مجلس التعاون الخليجي و تدعيمها في المستقبل و عدم ترك أي فراغ أمام المنافسين من جهة , و زيادة حجم الاستثمار من اجل الحصول على حصص اكبر من سوق دول مجلس و زيادة حجم الاستثمار من اجل الحصول على حصص اكبر في سوق دول المجلس التي تشهد حاليا طفرة لم يسبق لها مثيل من جهة أخرى .

الرأي الثاني- ينصح بضرورة الاكتفاء بحجم الاستثمار الحالي و عدم زيادتة و التوجه نحو أسواق أخرى كأسواق دول أوروبا الشرقية . و يبرر أصحاب هذا الرأي و جهة نظرهم بالتأكيد على إن الأسواق دول المجلس (صعبة المراس ) بالنسبة للمستثمرين الأوروبيين الذين مهما حاولوا فإنهم لن يتمكنوا من الحصول على حصة اكبر من تلك التي حصلوا عليها في السابق .
من المتوقع إن تواصل الطاقة و بخاصة النفط هيمنتها على جزء كبير من النشاط الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي و علاقتها الاقتصادية و مع ذلك فان دول المجلس تسعى إلى تنويع الاقتصاد الخليجي باتجاة التصنيع الذي يسهم في تقليص أهمية النفط في الناتج القومي الإقليمي . و قد برزت الصناعة في هذه المجموعة من الدول كالقطاع ديناميكي متطور و من المتوقع إن تشهد نموا مسارعا خلال التسعينيات و مع مطلع القرن القادم .

الدور الجديد في التجارة الدولية لدول مجلس التعاون الخليجي :
إن قيام الهيكل الإنتاجي المتنوع في إطار الجهود التنموية المبذولة لتنويع مصادر الدخل في دول مجلي التعاون الخليجي حول تطوير الصناعات البتروكيماوية و إقامة صناعات ثانوية و خفيفة مترادفة مشتقة من الصناعات الأساسية التي ازدهرت بالمجمعات الصناعية الفخمة التي أنشاها حكومات هذه الدول , مما سيجعل هذا القطاع مميزا ورائدا في التصدير إذ لابد أن تكون منتجاته منافسة بسبب معظم الدول المحليا .

للقطاع الخاص دور مهم :
و للقطاع الخاص دور مهم جدا في إنجاز عملية التنمية و بخاصة في مجال التقدم الصناعي كما أن للدولة دورا رئيسيا في عملية التنمية الصناعية كداعم و مكمل و مشجع لجهود القطاع الخاص حيث تشرف الدولة على اكتشاف و استخراج و استغلال النفط و الثروات المعدنية المختلفة و تعمل على استكمال برامج المدن الصناعية و التجهيزات و المرافق الأساسية و استمرار مشاركتها في الاستثمار الصناعي للمشاريع الصناعية الأساسية و تعليم و تدريب الأيدي العاملة و تأهيلها و تشجيعها على الانخراط في العمل الصناعي و مع ذلك فان القطاع الخاص يقوم أيضا بدور رئيسي في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في المرحلة المقبلة والتوجة نحو التوظيف و تشغيل العمال في المشاريع المتنوعة .
سياسات دعم الصناعة و زيادة الصادرات الصناعية :
أكد الدكتور عبد الرحمن الجعفري , أمين عام منظمة الخليج للاستثمارات الصناعية , و أن التصنيع في دول الخليج قد أسهم في تقليص الاعتماد على الواردات و أدى إلى تنويع الصادرات و توفير فرص عمل . أما بالنسبة للتوسع الصناعي في دول المجلس خلاف التسعينات فقد تركز على المنتجات البتروكيماوية و التعدينية و الهندسية بالدرجة الأولى بهدف التصدير .
تركز السياسات الاقتصادية الهادفة إلى دعم الصناعة و زيادة الصادرات الصناعية في دول المجلس التعاون الخليجي على المحاور الرئيسية التالية :
1. إعادة هيكلة القطاع الصناعي في دول المجلس للاستفادة من الطاقات الفائضة و تعزيز الربحية و القدرة على التنافس
2. تنويع موارد تهويل الاستثمار في الصناعة للقطاع الخاص الخليجي
3. التوسع في برامج ترويج الصادرات و الخدمات المالية في المجال التصدير
4. استحداث وكالات لتنمية الصادرات و تشجيعها
5. تطوير القدرات الذاتية لتنمية و استيعاب التكنولوجيا و توطينها وإبداعها
و من المتوقع أن تجد المنتجات الصناعية الخليجية فرصا جديدة للتصدير إلى دول أوروبا الشرقية بسبب تحولها إلى اقتصاد السوق الأمر الذي يؤدي إلى زيادة حصة صادرات دول مجلس التعاون الخليجي إلى تلك الأسواق.

المبادلات التجارية لدول المجلس التعاون الخليجي :
تستورد دول مجلس التعاون الخليجي سنويا ما يزيد على 150 مليار دولار , و تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الأولى في الاستيراد ثم تليها دولة الأمارات العربية المتحدة . و يصل مجمل الاستيراد لدول المجلس عشرات الملايين من الأطنان سنويا معظمها يصل عن طريق البحر الأحمر . و لابد من الإشارة إلى أهمية تجارة إعادة التصدير حيث تعد دول مجلس التعاون الخليجي و الدول العربية و إيران من أهم الأسواق التي تتجة إليها البضائع المعاد تصديرها . و تعتبر السوق الأوروبية المشتركة الشريك التجاري الأول لدول المجلس التعاون , و تنمو اضطراد التجارة البينية ( بين دول مجلس التعاون الخليجي و المجموعة الأوروبية ) , مما جعل المجموعة الأوروبية اكبر شريك تجاري لدول المجلس . وأكد ابراهاد راين مدير شئون دول الشرق الأوسط لدى السوق الأوروبية للمجموعة الأوروبية . و تحتل الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الثانية من حيث حجم المبادلات التجارية مع دول مجلس التعاون الخليجي , و من المتوقع أن يزداد الحجم الواردات الأمريكية من نفط دول مجلس التعاون الخليجي .
الملاحظ إن دول الخليج تعمل و منذ فترة طويلة لتصبح اقتصادها أكثر اعتمادا على النفس بدلا من الاعتماد الرئيسي على موارد النفط . و هي بذلك تسعى إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية و جذب رأس مال و التكنولوجيا إلى المنطقة بصورة متواصلة .
و بذلك فان دول الخليج تعمل على القيام بدور الجديد في التجارة الدولية في ظل هذه المتغيرات . و هي تسعى لتصبح مركزا رئيسيا للتجارة الدولية في المنطقة , و على وجه الخصوص في المجال التجاري بين شرق آسيا و أوروبا و أمريكا الشمالية . والوضع الجغرافي المميز للخليج يمنح هذه الدول فرصا كبيرة لتحقيق ذلك .

السوق الخليجية المشتركة :
يأتي الإعلان عن إنشاء السوق الخليجية المشتركة , في القمة دول المجلس التعاون في العاصمة القطرية الدوحة 2007 , خطوه مهمة على الطريق تفعيل التكامل الاقتصادي المنشود بين دول المجلس التعاون سيما و إن تحقيق حلم السوق المشتركة على ارض الواقع يلبي تطلعات و أمال دول المجلس المتعلقة بتفعيل المواطنة الخليجية سواء على التنقل أو العمل أو التعليم أو الخدمات الاجتماعية فضلا عن إن إنشاء السوق المشتركة من شانة أن يعزز دور المجلس و قدراته على التفاوضية , في ظل التطورات و التكتلات الاقتصادية العالمية , بما يعود بالنفع على مواطني دول المجلس مستفيدين من حجم النتائج الايجابية التي تحققت , و بخاصة ارتفاع حجم التجارة البينية بين دول المجلس من 12.215 مليار دولار في عام 1980 لبى نحو 33.943 مليار دولار عام 2005 .

تدابير و خطوات لتهيئة الأمور من اجل إنشاء السوق المشتركة :
و كانت دول مجلس التعاون قد اتخذت خلال السنوات الماضية العديد من التدابير و الخطوات لتهيئة الأمور من اجل إنشاء السوق المشتركة , و من أبرزها السماح لجميع مواطني دول الأعضاء في المجلس بتملك العقار و الأسهم و مزاولة الأنشطة التجارية , و إتباع دول الأعضاء في المجلس السياسات و الأنظمة الموحدة في المجالات الاقتصادية و التجارية و الصناعية و المالية و النقدية فضلا عن بدء العمل بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون اعتبارا من مارس 2005 بعد أن تقوم دول المجلس بتعديل الرسوم الجمركية الحالية تدريجيا أو دفعة واحدة لتصبح بواقع 5.5 % على السلع الأساسية و 7.5 % على بقية السلع و ذلك طبقا لتصنيف السلع ,كما اعتمد المجلس الأعلى النظام الموحد للجمارك لدول المجلس و العمل به بشكل استرشادي لمدة عام على أن تتم مراجعة النظام في ضوء ملاحظة الأعضاء تمهيدا و العمل به بشكل إلزامي في جميع إدارات الجمارك في الدول الأعضاء.
و اتخذ المجلس عددا من الإجراءات لتفعيل مشروع العملة الموحدة في ظل ارتباط المباشر بين تحقيق السوق المشتركة و إقامة الاتحاد النقدي , إذ وجه المجلس الأعلى لمجلس تعاون دول الخليج العربية في قمة (جابر) بالرياض في ديسمبر 2006 باستكمال خطوات إقامة الاتحاد النقدي و إصدار العملة الموحدة وفق البرنامج الزمني المقرر في قمة مسقط عام 2001 , كما وجه بتكثيف الجهود للوصول إلى اتفاق على الأنظمة و الوثائق اللازمة لاقامتة في الموعد المحدد .
إن الإنجازات التي حققها مجلس التعاون لدول الخليج العربي خلال مسيرته التي انطلقت منذ ما يزيد عن ربع قرن قد أرست قواعد و أسسا متينة للمجلس تؤهلة للانطلاق نحو استكمال المسيرة و تحقيق طموحات و تطلعات مواطني دول المجلس في مختلف المجالات المر الذي يعطي قدرا كبيرا من التفاؤل لتفعيل التكامل الاقتصادي الخليجي على أسس واقعية و تحقيق السوق الخليجية المشتركة التي تعد احد أهم تطلعات مواطني دول المجلس .




مجلة الاقتصادي
العدد 2033