المفهوم العلمي لنظرية المحاسبية الإيجابية
والمقارنة بين النظريات المبينة على المدخل المعياري والمدخل الإيجابي .


تعد دراسة كلاً من (Watts and Zimmerman , 1978 ) من أهم الدراسات التى تناولت المفهوم العلمى لنظرية المحاسبة الإيجابية كمدخل جديد لتنظير المعرفة المحاسبية حيث انصبت الدراسة على الأساليب والطرق لتوصيف الخصائص العامة للممارسة المحاسبية كما هى قائمة فعلاً فى الواقع العملى , فأوضحت الدراسة ماهية المحاسبة من خلال الشرح والتنبؤ بالعالم الواقعى واعتبارها نشاط خدمى يهدف إلى إشباع حاجات اجتماعية .
إن الهدف من النظرية الإيجابية هو تطوير التقرير المالى داخل نطاق المحاسبة عن طريق توضيح للدوافع نحو الاختيار من بين السياسات والطرق المحاسبية البديلة ومن ثم التنبؤ بآثار تلك السياسيات المحاسبية على الوحدة الاقتصادية .
خلاصة تلك النقطة أن النظرية الإيجابية تحاول الإجابة على التساؤلات التى تظهر من الممارسة المحاسبية العملية ومن أمثلة تلك التساؤلات على سبيل المثال :
1. ما هى الأسباب التى تدعو الإدارة أن تختار طرق وسياسات محاسبية معينة دون غيرها حال إعداد التقرير المالى ؟
2. لماذا تفضل الإدارة العليا التمسك بالتكلفة التاريخية بالرغم من وجود مظاهر التضخم ؟
3. لماذا تفضل إدارات شركات الإفصاح عن توقعاتها عن صافى الربح بينما إدارات شركات أخرى لا تفضل ؟
إن مثل تلك التساؤلات ركز عليها أيضا المدخل المعياري لكن من منظور البحث عن أفضل مقابلة ما بين المصروفات والإيرادات ، لكن في ظل المدخل الايجابي فإنه يركز على تفسير وتحليل والتنبؤ بسلوك الإدارة نحو تلك الممارسات الاختيارية من بين البدائل وليس من منظور الأفضلية .
ومما هو جدير بالذكر أن بعض الباحثين( ) مثل ( نظام , حسين , 2007 ) أشار إلى أن المدخل المعيارى للتنظير يقصد به المنهج الاستقرائى , فى حين ( هندريكس , ترجمة ا . د / كمال خليفة أبو زيد , 2008 , ص 28 ) أشار إلى أن النظريات الاستقرائية وصفية بطبيعتها أى تصف الواقع ولا يعنى ذلك أن النظريات الاستنباطية تكون بالضرورة معيارية .
وقد أشارت دراسة (توفيق , محمد شريف ، 2006 ) أن البحث المحاسبى فى نهاية السبعينيات اتجه نحو المدخل الإيجابى للتنظير وتحليل بواعث الإدارة فى تبنى السياسات المحاسبية من خلال الملاحظة وصياغة الفروض واختبارها بالأساليب العلمية وفيما يتعلق باستخدام النظرية الإيجابية مع المعايير المحاسبية ، فقد تركزت البحوث على تقييم البواعث الإقتصادية لتبنى طرق محاسبية معينة صدر بالفعل بشأنها معايير محاسبية فى الولايات المتحدة .
وفى تبويب بحوث المحاسبة , فقد بوبتها دراسة ( الصادق , زكريا , 1989 ) إلى ثلاث مراحل : المرحلة الأول استخدمت النموذج المعياري حيث كان هدف هذه البحوث البحث عن الأفضلية أو المثالية ، المرحلة الثانية استخدمت النموذج الوصفي الذي يسعى إلى وصف الظاهرة محل البحث . أما المرحلة الثالثة فاعتمدت بحوثها على النموذج الإيجابى الذى يهدف إلى تفسير وتحليل والتنبؤ بما هو قائم فعلاً .
المبحث الثاني
مداخل التنظير على أساس المدخل الإيجابي
ومعايير التحقق من قبول أو رفض النظرية الإيجابية

أولاً : مداخل التنظير على أساس المدخل الإيجابي

1. نظرية الوكالة :
نشأت نظرية الوكالة نتيجة ازدياد حجم الشركات وانفصال الملكية عن الإدارة وتقوم تلك النظرية على عدة افتراضات هى :
1. يتسم كل من الأصيل ( المساهمين ) والوكيل ( الإدارة ) بالرشد الإقتصادى .
2. يسعى كل من الأصيل والوكيل إلى تعظيم دالة هدفه .
3. عدم تماثل المعلومات بين الأصل والوكيل ، حيث الأخير يمتلك الخبرة العملية والسيطرة على المعلومات المحاسبية ولديه خبرة فى الاختيار من بين السياسات والتقديرات المحاسبية مما يعظم دالة منفعته على حساب الأصيل ( ) .
وقد أشار ( هندي , منير ,1999) يمكن النظر إلى المنشأة على أنها مجموعة من العقود بين أعضاء الفريق الذي يقدم عوامل الإنتاج ( الملاك , الدائنين , العاملين , الإدارة ) حيث أن كل عضو يسعى لتحقيق مصالحه الذاتية وأن سعى كل فريق لتحقيق مصالحه الذاتية هو أمر محتمل مما يبرز التعارض بين أعضاء الفريق .
ويحاول البحث المحاسبي الإيجابي تفسير القيود والمحددات المفروضة على الإدارة من جانب الأطراف الأخرى من أصحاب المصالح في الوحدة الاقتصادية بصدد اختيارها لسياسات وطرق التقرير المالي , والكشف عن مدى تأثر عملية اختيار البدائل المحاسبية في الممارسة العملية بمصالح الإدارة التي يجب تحفيزها باستمرار لتحقيق مصلحة الوحدة الاقتصادية ككل .
وبهذا تؤكد نظرية الوكالة على أن اختيار الإدارة للطرق والسياسات المحاسبية يتأثر فقط بآثارها النسبية على الدخل وفقاً لتفضيلاتها وذلك دون الأخذ في الاعتبار أياً من تفضيلات الأطراف الأخرى من أصحاب المصالح في الوحدة أو الظروف المختلفة القائمة في التطبيق العملي على سياسات الاختيار المحاسبي التي يتم على أساسها إعداد القوائم المالية . وحتى لا يؤدى ذلك المدخل في النهاية إلى إطار نظري يخدم مصلحة الإدارة على حساب مصالح الأطراف الأخرى , فقد اقترح " ديمسكى Demski " مدخلاً أكثر تطوراً لشرح وتفسير الدوافع المؤثرة على اختيار البدائل المحاسبية بما يتسق مع الواقع الفعلي ، حيث يقوم هذا المدخل على أساس نظرة أوسع إلى أن الوحدة الاقتصادية باعتبارها اختيار لتشكيلة المدخلات والمخرجات المثالية التي تتضمن مجموعة من العلاقات التعاقدية المنظمة من خلال العقود المختلفة . وتكون المحاسبة هي أحد عوامل الإنتاج التي تساهم في إنتاج هذه التشكيلة ، وبذلك فإن تفضيلات الوحدة الاقتصادية للبدائل المحاسبية المتاحة تعتمد على أسعار عوامل الإنتاج الأخرى ويعنى هذا أنه عندما تقوم الوحدة الاقتصادية باختيار سياسات وطرق إعداد التقرير المالي في ضوء المبادئ المحاسبية المتعارف عليها , فإن ذلك يكون بمثابة الممارسة الفعلية لتفضيلاتها التي تميل إلى اختيار السياسة المحاسبية التي تحقق أفضل تشكيلة لعوامل الإنتاج الأخرى (عثمان ، الأميرة ، 2000 ، ص736) .

2. مدخل متخذي القرارات
يرتبط هذا المدخل بالبحوث السلوكية وهو نتاج لمحاولات اكتشاف التفضيلات الفردية بأشكالها المختلفة ويركز على الكيفية التى يتخذ بها مستخدمي المعلومات المحاسبية القرارات ونوع المعلومات التى يطلبونها حيث انتهت دراسة برنز Bruns وإلى أن عملية اختيار وتشغيل المعلومات عادة تتأثر بالدوافع السلوكية للأفراد المستخدمين لتلك المعلومات .
وبظهور هذا المدخل , فإن الفكر المحاسبى اكتشف مجالاً خصباً للتفضيلات الفردية كأحد مداخل التنظير الإيجابى الذى يقوم على أساس وجوب تضمين المعرفة المحاسبية بالفروض المفسرة لسلوك مستخدمى المعلومات المحاسبية بحيث تعكس المعلومات الظاهرة فى القوائم المالية تفضيلاتهم ومن ثم تلائم استخداماتهم الحالية والمحتملة . ولقد اعتمدت دراسات هذا المدخل على النظرية الإيجابية لصياغة – مقدمات تجريبية تصف خصائص المعلومات المحاسبية المستخدمة فى الممارسة العملية والتى تختبر سياسة معينة من خلال تحليل البواعث السلوكية لمستخدمى القوائم المالية .

3. مدخل اقتصاديات المعلومات :
ينظر للمعلومات وفقاً لهذا المدخل على أنها مورد له تكلفة ومنافع ومن ثم ينبغي عدم تجاهل تأثير قرارات السياسة المحاسبية على المحددات والبواعث الإقتصادية الواقعية المؤثرة على أداء الوظائف المحاسبية . وقد قامت دراسات عدة بتفسير الدوافع الإقتصادية التى من أجلها تقوم الإدارة باختيار مبادئ ومعايير محاسبية معينة ، فعلى سبيل المثال خلصت دراسة Gordon إلى أن الدراسة تفضل الطرق والسياسات المحاسبية التى تقود إلى تمهيد الدخل Income Smoothing عبر الفترات وذلك حتى لا تتأثر أسعار الأسهم بالتذبذب الشديد .


ثانياً : معايير التحقق العلمي من نظرية المحاسبة الإيجابية( )

أشارت دراسة (عثمان ، الأميرة ، 2000م) إلى أربعة معايير للحكم على الإطار الفكرى لنظرية المحاسبة الإيجابية سيتم التعرض لها بإيجاز شديد .
‌أ- معيار المقدرة التنبؤية .
ينظر للمعلومات المحاسبية على أنها لديها القدرة على التنبؤ مما تخفض من درجة عدم التأكد المصاحبة للمستقبل وقد أشارت دراسات بأن النظرية الإيجابية تتنبأ بالطرق والسياسات المحاسبية لكن البعض يرى عدم صلاحية هذا المعيار لتقييم السياسات المحاسبية البديلة بمعنى عدم إمكانية تنظير المعرفة المحاسبية طبقاً للمدخل الإيجابى لكن لخصت تلك الآراء لعدة أسباب :
• أن القدرة على التنبؤ تفيد لاختبار فائدة المعلومات المحاسبية لمستخدميها .
• أن المعلومات المحاسبية تفيد فى عملية اتخاذ قرارات تخصيص الموارد واستغلالها ولذلك يكون للمعلومات المحاسبية نتائج اقتصادية واجتماعية .
• المحاسبة ظاهرة اجتماعية وبالتالى فهى تعد كعلم من العلوم الاجتماعية .

‌ب- معيار القابلية للاختبار التجريبي .
يقضى هذا المعيار بان النظرية تكون عملية في حالة ما إذا كانت الافتراضات التنبؤية الناتجة عن النظرية قابلة للاختبار التجريبي بطريقة مستقلة على مستوى الممارسة العملية ويعنى ذلك أن النظرية التي لم يتم اختبارها افتراضاتها عملياً لا تؤدى وظيفتها بكفاءة وفعالية وبذلك تكون عديمة النفع والاستخدام . وتقضى منهجية البحث العلمي لكي يكون الإطار الفكري للنظرية قابلا للاختبار يجب أن يكون هذا الإطار متسق مع الممارسة العملية بصورة تمنع حدوث التعارض والتناقض بين الإطار والممارسة العملية .

‌ج- معيار القابلية للتكذيب .
يقوم هذا المعيار على أساس التحليل المنطقي وما يسفر عنه من نتائج نهائية مقنعة تحدد الظروف القابلة للملاحظة إذا تم ملاحظتها فعلا والتي تبرهن أن النظرية قد خضعت لاختبار يثبت مدى صحتها . لكن بعض الباحثين انتقد هذا المعيار كأساس للتحقق العلمي من نظرية ما باعتبار انه لا يستقيم مع التطور التاريخي للمحاسبة .

المبحث الثالث
تفسيرات النظرية الإيجابية في المحاسبة لدوافع
الإدارة نحو الاختيار من بين السياسات المحاسبية البديلة

بداية عرفت قائمة معايير المحاسبة المالية الصادرة سنة 1971 السياسة المحاسبية على أنها مجموعة من القواعد المحددة والمختارة التى تستمر المنشأة فى تطبيقها " الثبات فى التطبيق " مما يجعل القوائم المالية تعبر بصدق ووضوح عن المركز المالى للمنشأة . وقد عرف معيار المحاسبة المصرى رقم (5) بفقرته رقم (5) السياسات المحاسبية على أنها المبادئ والقواعد والممارسات التى تقوم المنشأة بتطبيقها عند إعداد وعرض القوائم المالية . وبالتمعن فى تعريف المعيار المصرى للسياسات المحاسبية تجد أن ( الصادق , 1989) يعترض على القول بأن السياسات هى مبدأ ويتفق الباحث مع هذا الرأي حيث أن المحاسبة تخضع فى تطورها للعوامل الإقتصادية والسياسية والقانونية والاجتماعية مما يجعلها عرضة للتغير والتطوير ولما كان هناك العديد من السياسات المحاسبية المتنوعة التى يمكن أن تنبع فى معالجة الموضوع الواحد , فإن الأمر يتطلب القدرة على التميز والحكم فى اختبار وتطبيق أفضل السياسات الملائمة بظروف المنشأة بما يكفل العرض السليم لمركزها المالى .
ومن مداخل الاختيار بين الطرق والسياسات المحاسبية المدخل المعيارى والمدخل الإيجابى وتركيزنا فى هذا البحث على المدخل الإيجابى وحيث يسعى المدخل الإيجابى فى المحاسبة إلى تفسير الأسباب التى أدت إلى أن تأخذ القوائم المالية شكلها الحالى .
وقد أشار (مدكور ، جمال عبد الغنى ، 2008م) بأن Grodon أول من قام سنة 1964 باستخدام المدخل الإيجابى لتحليل البواعث الإقتصادية للإدارة كعامل مؤثر فى الاختيار من بين المبادئ المحاسبية البديلة التى على أساسها يتم إعداد القوائم المالية للوحدة الإقتصادية .
ولكي يحقق المدخل الإيجابي( ) هدفه نحو تحليل وتفسير والتنبؤ بسلوك ودوافع الإدارة العليا فى الاختيار من بين بدائل الطرق المحاسبية البديلة ، فإنه يعتمد على نظريتين :
1. النظرية الإقتصادية للتنظيم الحكومى .
2. النظرية الإقتصادية للمنشأة
وتتنبأ النظرية الإيجابية بأن الشركات المدارة بواسطة مدراء أجراء تكون أكثر احتمالاً لاختيار الطرق المحاسبية التى تؤدى إلى زيادة الأرباح المقرر عنها من الشركات التى يديرها ملاكها .
وقد أشار (مدكور ، جمال عبد الغنى ، 2008م) أن المنشآت الضخمة التى تحقق أرباحاً كبيرة غالباً ما تكون موضع أنظار السياسيين , مما يؤدى إلى صدور قرارات سيادية للحد من هذه الأرباح أو تقليل معدلها وقد تكون هذه القرارات فى شكل تكاليف تتحملها المنشأة سواء بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة يطلق عليها التكاليف السياسية . وتتضمن التكاليف السياسية , كل التكاليف المتوقع أن تتحملها الشركة ( تحويل الثروة ) نتيجة لردود الأفعال السياسية العكسية , متضمنة مكافحة الاحتكار , وفرض ضرائب........ الخ . ومن أمثلة تلك التكاليف السياسية ما يلى :
- تكاليف ناتجة عن تأميم الوحدات الإقتصادية .
- تكاليف ناتجة عن التدخل الحكومى لخدمة مجموعات معينة مثل تخفيض الأسعار لخدمة المستهلكين .
- تكاليف ناتجة عن قرارات بزيادة معدلات الضرائب أو بفرض ضرائب جديدة .
- تكاليف ناتجة عن مطالبات نقابات العمال بزيادة الأجور أو الحصول على مزايا عينية .
ونقلاً عن ( مدكور , جمال عبد الغنى , 2008 ) أنه في حالة المنشآت التى تدار بواسطة ملاكها , فإن المدير سوف يتخذ جميع القرارات التى تعظم منفعته وأرباحه ، ولكن في حالة إذا ما امتلك المدير أقل من 100% من رأس المال ( انفصال الملكية عن الإدارة بدرجة ما ) , فإنه سوف يميل إلى بذل مجهود أقل مقارنة بالمدير المالك , وسوف يميل إلى الحصول على المزيد من المزايا الإضافية لأن جزءاً من تكلفتها سوف يتحمله الملاك الآخرين .
وتتنبأ النظرية الإيجابية للمحاسبة , بأن الشركات المدارة بواسطة مديرين أجراء تكون أكثر احتمالاً للاختيار من بين الطرق والسياسات المحاسبية التي تؤدى إلى زيادة الأرباح المقرر عنها من الشركات التي يديرها ملاكها .
وقد توصلت إحدى الدراسات (Daley , 1983) التي اهتمت باختيار السياسة المحاسبية الخاصة بمعالجة نفقات البحث والتطوير إلى أنه فى حالة وجود اتفاقيات قروض تعتمد على الأرقام المحاسبية , وكانت نسبة الديون أعلى من نسبة حقوق الملكية فى هيكل التمويل , فإن الإدارة العليا فى هذه المنشآت سوف تميل إلى رسملة نفقات البحث والتطوير , بمعنى أنها سوف تميل لاختيار السياسة المحاسبية التى تؤدى إلى زيادة صافى الربح .
ويمكن القول أن نسبة المديونية تعد من أهم المحددات التى تؤثر فى عملية الاختيار المحاسبى , حيث تميل الإدارة العليا للمنشآت التى تزيد فيها الأموال المقترضة عن الأموال المملوكة إلى اختيار تلك الطرق والسياسات المحاسبية التي يترتب عليها زيادة صافى الربح ومن ثم زيادة حقوق الملكية , وذلك تخفيفاً لحدة القيود أو الشروط التى تفرضها اتفاقيات القروض على أنشطة تلك المنشآت وغالباً ما تتعلق هذه القيود والشروط بحجم حقوق الملكية .
ونظراً لاعتقاد المديرين بعدم قدرة بعض العملاء , الموردين , والموظفين , ومانحى الائتمان قصير الأجل على تعديل الأرقام المحاسبية المقرر عنها من قبل الشركة للاختلافات بين الطرق المحاسبية , فإن هذا قد يخلق دافعاً لدى الإدارة نحو اختيار الطريقة المحاسبية التى تؤثر على تقدير الأطراف المهتمة بسمعة الشركة فيما يتعلق بالوفاء بالتزاماتها الضمنية .
مما تقدم , يمكن القول بأن التعاقدات / الالتزامات الضمنية قد ينظر إليها كأحد محددات اختيار سياسة محاسبية معينة من بين السياسات المحاسبية البديلة , حيث تميل الإدارة إلى اختيار السياسات المحاسبية التى تؤدى إلى زيادة صافى الربح بهدف التأثير على الأطراف الأخرى المهتمة من أصحاب المصالح , وذلك عند تقديرهم لسمعة الشركة فى مجال الوفاء بتعهدات والتزامات الضمنية ويعتبر ذلك تجسيد لأحد أهم مشاكل الوكالة , وهى مشكلة عدم تماثل المعلومات .

تفسيرات النظرية الايجابية للمحاسبة لدوافع الإدارة بشأن إدارة الأرباح
تقدم النظرية المحاسبية الإيجابية تفسيراً لوجود إدارة الأرباح وإدارة التوقعات ، فالنظرية تفترض أن المديرين كأفراد يتمتعون بالرشد ومن المتوقع أن يتخذوا إجراءات واختيار بدائل لسياسات محاسبية معينة تعظم منفعتهم الخاصة (Watts & Zimmerman1990 ) خاصة في ظل وجود عدم تماثل للمعلومات , بمعنى لو ترك للمديرين حرية الاختيار من بين السياسات الحاسبية المستخدمة لأغراض التقرير المالى , فسوف يميل هؤلاء المديرين لاختيار تلك السياسات التى تحقق لهم أقصى منفعة شخصية ومن الطبيعى أن تؤدى الحوافز المختلفة إلى قيام المديرين بإدارة الأرباح و/ أو إدارة التنبؤات وتتضمن هذه الدوافع أو المسببات ؛ خطط المكافآت والحوافز , والعقود الأخرى , توقعات وحوافز أسواق المال , الدعاوى القضائية لمواجهة الاحتكار , التشريعات واللوائح الحكومية للصناعة , والحوافز الضريبية .
كما أشار (الليثى ، فؤاد ، 2010) أن قرار الادراة في عملية الاختيار بين البدائل المحاسبية يخضع لعوامل اقتصادية وليس طبقاُ للبديل المحاسبي ، وقد أشار إلى مجموعة من العوامل تؤثر وتتأثر باختيار البديل المحاسبي في ظل النظرية الايجابية تتمثل في تكلفة التعاقدات (عقود الحوافز ، عقود المديونية) ، التكاليف السياسية واثر البيئة المحاسبية ( العرف المحاسبي – التحفظ – رأى المراجع الخارجي ) .
وسوف يتم التعرض لكل من تلك الحوافز بنوع من الإيجاز مع تفسيره وفقاً للنظرية المحاسبية الإيجابية .

1. خطط المكافآت والحوافز الإدارية :
ينظر لخطط المكافآت على أنها أحد أهم الدوافع الأساسية لإدارة الأرباح , وتتمثل خطط المكافآت النمطية فى منح مرتب ثابت بالإضافة إلى منح مكافآت تعتمد على أداء المنشأة مقاساً ببعض القيم المحاسبية .
ووفقاً للنظرية المحاسبية الإيجابية – إذا استخدمت الشركات خطط المكافآت المعتمدة على أداء المنشأة فى عقود حوافز المديرين ، فإن المديرين من المرجح أن يقوموا بإدارة الأرباح من خلال تحويل جزء من أرباح الفترات المستقبلية إلى الفترة الحالية , وذلك لتعظيم مكافآتهم فى الفترة الحالية ويمكن للمديرين تحقيق ذلك من خلال الاختيار من بين السياسات المحاسبية تلك التى يترتب عليها نقل أو تحويل جزء من أرباح الفترات المستقبلية إلى الفترة الحالية .
وقد أشار ( الدهراوى , 2006 ) إلى أن عقود حوافز ومكافآت الإدارة تعتمد على الأرقام المحاسبية مثل الأرباح المعلنة , أو على القيمة السوقية لأسهم الشركة والتى تتأثر هى الأخرى بأرباح الشركة , فقد يؤثر ذلك على سلوك المديرين عند إعداد التقارير المالية الخارجية , حيث يمثل ذلك دافعاً للإدارة لتعديل الأرباح بما يتوافق مع أهدافها , وذلك عن طريق إدارة الأرباح , وبالتالى التأثير على مكافآتهم سواء فى الفترة الحالية أو الفترات المستقبلية .
ولقد حظيت دراسة عقود الحوافز – بأنظمتها المختلفة – باهتمام كثير من الباحثين باعتبارها أحد أهم الأسباب التى قد تدفع الإدارة للقيام بإدارة الأرباح , ولقد توصلت الدراسات إلى أن اختيار الإدارة لإستراتيجية إدارة الأرباح – سواء بالزيادة أو النقص – يتحدد على أساس مستوى الأرباح الفعلية التى تحققها الشركة , وذلك بما يتفق مع نظام الحوافز المتبع .

2. الاتفاقات التعاقدية وشروط المديونية .
تخلق هذه الإنفاقات حافزاً للمديرين لإدارة الأرباح ، فعلى سبيل المثال تتضمن عقود الديون بعض التعهدات التى يجب أن يلتزم بها المقترض خلال فترة التعاقد وإذا تم مخالفة هذه التعهدات ، فإن الشركة ستتحمل تكلفة عالية تتمثل فى الجزاءات من التعرض للمساءلة القضائية .
ووفقاً للنظرية المحاسبية الإيجابية ، فمن المتوقع أن يختار المديرون السياسات المحاسبية التى تزيد من قيم الربح المفصح عنها للسنة الحالية بهدف تخفيض احتمالات مخالفة الشروط التعاقدية للديون المعتمدة على الأرقام المحاسبية . وذلك خاصة للشركات التى تكون فى وضع يقترب من مخالفة الشروط التعاقدية للدين (Watts & Zimmerman ,1990) ووفقاً لذلك فمن المتوقع أن يقوم المديرين بإدارة الأرباح لنقل الأرباح من الفترات المستقبلية إلى الفترة الحالية .
وقد أشار ( أبو المكارم ، وصفى عبد الفتاح , 2002 ) كلما زادت نسبة المديونية للوحدة الإقتصادية كلما زادت القيود على حركة الإدارة وتتضمن شروط المديونية وضع قيود على التوزيعات وشراء الأسهم والمحافظة على مستوى معين لرأس المال العامل , كما تفرض شروط المديونية قيود على أنشطة الاندماج والاستثمارات فى وحدات أخرى أو عدم الالتزام بديون جديدة .

3. توقعات سوق المال ( الحوافز المرتبطة بسوق رأس المال ) .
تخلق هذه التوقعات الحافز لدى المديرين لإدارة الأرباح وإدارة التنبؤات ، فالعلاقة بين المديرين وحملة الأسهم يمكن توصيفها من خلال نظرية الوكالة , حيث لا يمكن ملاحظة تصرفات الأداء المباشر للمديرين . ومع وجود عدم تماثل للمعلومات بين المديرين وحملة الأسهم وارتفاع تكلفة مراقبة جهود الإدارة ، فإن حملة الأسهم وأصحاب الحقوق الأخرى بعتمدون على التقارير المالية كمصدر رئيسى للمعلومات بخصوص الأداء الإقتصادى للمنشأة ، فدائماً ما يعتمد المستثمرون والمحللون الماليون على المعلومات المحاسبية المقدمة فى التقارير المالية لأغراض التقييم (Healy and Wahlen , 1999) وذلك بالتبعية سيخلق حافزاً لدى المديرين للتلاعب فى الأرباح كمحاولة للتأثر على أداء أسعار الأسهم ، فعلى سبيل المثال قد يتعمد المديرون تخفيض الأرباح وذلك لشراء الشركة بقيمة منخفضة , أو قد يكون لديهم الحافز لزيادة قيمة الأرباح قبل عرض المزيد من الأسهم للاكتتاب وذلك بهدف زيادة قيمة الأسهم المعروضة .


4. التدخلات التنظيمية والقضايا المحتملة .
تخلق مثل هذه العوامل حافزاً للمديرين للتلاعب فى الأرباح من خلال تخفيضها وذلك لتجنب التكاليف السياسية والتى قد تنتج عن هذا التفتيش .
ووفقاً للنظرية المحاسبية الإيجابية , فعندما تتعرض المنشأة لتكاليف سياسية عالية , فمن المحتمل أن يقوم المديرين بتخفيض قيمة الأرباح المفصح عنها للسنة للحالية ويرجع ذلك إلى أن الشركات الكبرى يمكن أن تجذب أو تلفت انتباه وسائل الإعلام أو السياسيين وذلك عندما تفصح هذه الشركات عن أرباح ضخمة كنتيجة لزيادة الأسعار على المستهلكين مما يؤدى إلى قيام الجهات الرقابية بالتدخل لمواجهة الاحتكار (Watts & Zimmerman ,1990) مما يترتب على اثر ذلك قيام المديرون باختيار السياسات والأساليب المحاسبية التي من شأنها أن تنقل الأرباح من الفترة الحالية إلى الفترات المستقبلية .
كذلك قد يكون لدى المديرين الحافز لتخفيض الأرباح وذلك بهدف الحصول على منح وإعانات وذلك عندما تتعرض الشركة لممارسات منافسة عالمية غير عادلة ، ففي مثل هذه الحالات فمن المحتمل أن تخفض الإدارة من الأرباح المفصح عنها لدعم موقفها والحصول على التعويض ، ومن ناحية أخرى فإن الشركات يمكن أن تقوم بممارسة إدارة الأرباح بغرض تخفيض الربح فى محاولة منها لإقناع الجهات التنظيمية الحكومية بالسماح لها بزيادة الأسعار وهذا ما أوضحته ( Navissi, 1999 ) بأن الشركات الصناعية فى نيوزيلندا خلال الفترة من 1971 – 1972 قامت بممارسة إدارة الأرباح لتخفيض الربح وذلك لإقناع الجهات التنظيمية الحكومية ذات العلاقة بسياسة التسعير السماح لتلك الشركات بزيادة الأسعار حتى تتمكن من مواجهة الصعوبات المالية الناتجة من ثبات الأسعار وعدم زيادتها بواسطة التنظيم الحكومى .
وأخيراً فقد أوضح ( Albornoza & Illueca , 2005 ) أن شركات الكهرباء فى أسبانيا قامت بتخفيض الأرباح المعلنة خلال الفترة من 1991 -2001 نتيجة زيادة التعريفة السعرية بواسطة الحكومة وذلك في محاولة لتخفيض حدة الاحتجاج الجماعي على قرار زيادة السعر .
وعلى جانب آخر ، فمن الممكن أن يكون هناك حافزاً آخر للمديرين لإدارة الأرباح وذلك بغرض تجنب الدعاوى القضائية المحتملة من قبل أصحاب المصالح المتضررين ، فعندما يشعر المديرون أن الأرباح الفعلية من المتوقع ألا تحقق تنبؤاتهم , ومن ثم فقد يكون لديهم الحافز للتلاعب فى الأرباح لزيادتها لتحقيق تلك التنبؤات وذلك لتجنب القضايا المحتملة من قبل المستثمرون وأصحاب المصالح الأخرى ممن اعتمدوا على تنبؤات الإدارة لاتخاذ قراراتهم الإقتصادية .

5. الضرائب .
يمكن أن تخلق الضرائب التى تتحملها المنشأة حافزاً لدى المديرين لإدارة الأرباح حيث قد يختار المديرون السياسات والطرق المحاسبية والتى يترتب عليها تخفيض الأرباح ومن ثم تخفيض الضريبة التى تتحملها المنشأة , وقد يكون ذلك مدفوعاً بتحقيق وفورات نقدية كنتيجة لتخفيف الضريبة المدفوعة .
حيث أوضح ( Northcut et al , 1998 ) أن اختيار السياسة المحاسبية تتأثر بالضرائب التى تدفعها الوحدة الإقتصادية وأوضح أن الضرائب التى تدفعها الوحدات الإقتصادية قد تعتبر سبب جوهرى لقيام الإدارة بإدارة الأرباح , حيث أشار إلى أن الوحدات الإقتصادية قد تأخذ شكل تكتلات أعمال حتى يسهل إدارة الأرباح من خلال المعاملات البينية بين شركات المجموعة بحيث يتم تخفيض الأرباح لتخفيض مقدار الضرائب المدفوعة .
والخلاصة أن هناك العديد من الحوافز المختلفة لدى المديرين لإدارة الأرباح وإدارة التوقعات , وتقدم النظرية المحاسبية الإيجابية الأساس النظرى لتفسير ذلك السلوك والتنبؤ به .