آليات الحوكمة ودورها في الحد من الفساد
المالي والإداري في الشركات المملوكة للدولة
(1)

المقدمة

لقد أثبتت الانهيارات والفضائح المالية ، التي طالت كبريات الشركات في العالم ، والمدرجة في أسواق رأس المال بشكل خاص ، في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، والمملكة المتحدة ، وروسيا ، واليابان ودول شرق آسيا فشل الأساليب التقليدية في منع مسببات تلك الانهيارات والفضائح ، والتي كان لظهورها آثار مدوية ونتائج مدمرة ، الأمر الذي دفع الجهات المعنية وعلى المستويين الوطني والدولي إلى إجراء دراسات معمقة لتحديد الأسباب الرئيسة التي كانت وراء حدوث الأزمات والانهيارات المشار إليها في أعلاه ، والتي كانت ترتبط بشكل كبير بالجوانب المحاسبية والتدقيقية .
وكانت الحوكمة والياتها ثمرة هذه الدراسات لمنع حدوث مثل هذه الأزمات أوالحد منها في اقل تقدير ، وذلك من خلال مجموعة من الآليات ، من أبرزها الشفافية والإفصاح عن المعلومات المالية وغير المالية وإعدادها وفقا للمعايير المحاسبية ذات الصلة ، وكذلك تعزز دور وظيفتي التدقيق الداخلي والخارجي ، وبخاصة ما يتصل باستقلالية هاتين الوظيفتين وتشكيل لجنة التدقيق من مجلس الإدارة للإشراف عليهما .
تكتسب الحوكمة في الشركات المملوكة للدولة أهمية خاصة ، وذلك لأنها مازالت تؤدي دورا مؤثرا في النشاط الاقتصادي في العديد من دول العالم ، ومنها العراق ، وتمثل جزءا مهما من الناتج المحلي الإجمالي ، وتوفر فرص العمل ، فضلا عن إنها غالبا ما تكون مسيطرة في الصناعات ذات المنافع العامة ، مثل الطاقة ، والنقل والاتصالات وغيرها . وان اداء هذه الشركات ذو أهمية كبيرة لعموم المواطنين ، هذا من جانب ، ومن جاني اخر ، اذا ما قررت الدولة خصخصة قسم من هذه الشركات ، فان الحوكمة تعد متطلبا أساسيا من متطلبات الخصخصة ، وذلك لتشجيع المستثمرين على شراء هذه الشركاتوالاستثمار فيها ، وضمان الحصول على اكبر عائد ممكن من عملية الخصخصة ، وذلك بمنع حالات الفساد المالي والإداري التي قد تكون مرتبطة بذلك .
وقد تمثلت المشكلة التي حاول البحث التصدي لها بافتقار الشركات المملوكةللدولة إلى آليات حوكمة من شانها أن تحد من مشكلة الفساد المالي والإداريالتي تعاني منها هذه الشركات .
ويهدف البحث إلى التاطير الفكري لمفهوم الحوكمة ، وذلك بتعريفها واستعراض نشأتها وتطورها ومبرراتها ، وكذلك تناول موضوع الفساد المالي والإداري ، وذلك بتعريفه وبيان أسباب حدوثه وابرز مظاهره ونتائجه ، ومن ثم التطرق إلى دور آليات الحوكمة في الحد منه .
ولأجل تحقيق أهداف البحث ، فقد قسم إلى ست فقرات ، خصصت الأولى منها لمنهجية البحث ، فيما كرست الثانية لمفهوم الحوكمة والياتها . وتناولت الفقرة الثالثة مفهوم الفساد المالي والإداري . أما الفقرة الرابعة فقد خصصت لدور آليات الحوكمة في الحد من الفساد المالي والإداري . واختتم الباحث بحثه بجملة من الاستنتاجات والتوصيات تناولتها الفقرتين الخامسة والسادسة .

أولا : منهجية البحث

1 . مشكلة البحث
تواجه اقتصادات العديد من الدول وخاصة تلك التي تمر بمرحلة انتقالية ،سواء كانت سياسية ، مثل التحول من الأنظمة الشمولية إلى الأنظمة الديمقراطية ، أو اقتصادية ، مثل التحول من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق تحد كبير يتمثل بزيادة فرص ممارسة الفساد المالي والإداري ، وما يساعد على ذلك هو عدم اكتمال بناء المؤسسات الوطنية والقوانين التي توفر بيئة مناسبة للفاسدين ، مستغلين ضعف الأجهزة الرقابية والقضائية في موجهة هذا الخطر الداهم .
لذا فان مشكلة البحث التي يحاول البحث التصدي لها تتركز في افتقارالشركات المملوكة للدولة إلى آليات حوكمة من شانها أن تحد من مشكلةالفساد المالي والإداري التي تهاني منها هذه الشركات .

2 . هدف البحث
يهدف البحث إلى إلقاء الضوء على مفهوم حوكمة الشركات ، نشأتها وتطورها ، أهميتها ومبرراتها ، وكذلك استعراض أهم آلياتها مع التركيز على دور لجان التدقيق في مجالس الإدارة باعتبارها ابرز دعائم تحقيق هذا المفهوم الجديد ، وعلاقة هذه اللجان باليتين اخريتين هما التدقيق الداخلي والتدقيق الخارجي . كما انه يهدف إلى لفت الانتباه جميع الجهات المسؤولة إلى خطر الفساد الماليوالإداري ، وذلك بعد تحديد مفهومه وأسباب ظهوره ، واهم مظاهره ونتائجه على الاقتصاد الوطني بشكل خاص وعلى المجتمع بشكل عام ، ودور آلياتحوكمة الشركات في الحد منه .

3 . أهمية البحث
يستمد هذا البحث أهميته من جانبين :
الأول ، ويتمثل بخطورة الفساد المالي والإداري الذي استشرى في مؤسسات الدولة ومنها الشركات المملوكة لها ، وما يتركه من آثار كبيرة على الاقتصاد الوطني ومن ثم على المجتمع بأسره .
الثاني ، هو تزايد الاهتمام بموضوع حوكمة الشركات في السنوات الأخيرة ، وكون أسسها ومبادئها والياتها تعد من المفاهيم الحديثة على المستوى العالمي بصفة عامة ، وعلى المستوى المحلي بصفة خاصة . وان الوعي بهذه المفاهيم وتطبيقاتها يؤدي إلى تحقيق قدر كبير من الشفافية والعدالة ، وكذلك منح حق مساءلة الشركة ، وبالتالي حماية حقوق الدولة وجميع أصحاب المصالح فيها ، والحد من مشكلة الفساد المالي والإداري ، الذي يتمثل بشكل كبير في استغلال السلطة والوظيفة في غير المصلحة العامة ، مما يؤدي إلى زيادة كفاءة أداء هذهالشركات وتعظيم قيمتها وبالتالي توسعها وتوفير فرص عمل جديدة للمواطنين .

4 . أسلوب البحث
يعتمد البحث على النهج الوصفي التحليلي Analytical Descriptive Approach لموضوع الدراسة، وهذا المنهج معمول به في كثير من البحوث والدراسات ، خاصة تلك التي تتناول ظواهر اجتماعية تتعلق بالممارسات اليومية ، حيث تم الاطلاع على عدد من البحوث والدراسات المنشورة في الدوريات والمجلات العلمية المتخصصة ، وكذلك المنشورة على شبكة الانترنت ، بالإضافة إلى الاطلاع على آليات وقواعدالحوكمة الصادرة عن المنظمات والهيئات العالمية والمحلية ، وأخضعت للتحليل والمناقشة بما يخدم أهداف البحث ، ومن ثم اقتراح بعض التوصيات التي قد تساهم في اعطاء مرجعية مفيدة للشركات العراقية .

ثانيا : مفهوم الحوكمة

لقد أصبحت حوكمة الشركات من المصطلحات الأكثر شيوعا في قاموس الأعمال العالمي الحديث . وهذا يثير تساؤلا " هل إن حوكمة الشركات مكون حيوي من مكونات منشات الأعمال الناجحة أم إنها مجرد بدعة أخرى سوف تضمحل وتتلاشى عبر الزمن ؟ " ، والواقع إن هذا المصطلح اوجد ذاته وفرض نفسه قسرا أو طواعية ، حيث أوجدته ظروف غير مستقره ، واضطرابات قلقة وحوادث عنيفة اجتاحت بعض أسواق المال والأعمال ، وألقت عليها بظلال من الشكوك ، وألوان من القلق والهواجس ، ونشرت معها الكثير من التساؤلات الحائرة حول مصداقية البيانات التي تصدر عن هذه الشركات ، ومدى إمكانية الاعتماد عليها بصفة خاصة في اتخاذ أي قرار ، أو التعويل على المعلومات المنشورة بصفة عامة ، وصدقها في التعبير عن حقيقة أوضاعالشركات .
ولا تقتصر أهمية الحوكمة على أولائك المتعاملين في أسواق رأس المال ( بائعين ، ومشترين ، و وسطاء ، و شركات معلومات ) ، والموردين ، و والمقرضين ، والممولين من المصارف وشركات التمويل ، بل امتدت إلى منشات الأعمال ، والحكومات والدول ، والمؤسسات الدولية ، خاصة بعد الانهيارات التي طالت كبريات الشركات في العالم ، والمدرجة في أسواق رأس المال في دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، المملكة المتحدة ، و روسيا ، و اليابان ودول شرق آسيا . وكان لظهور هذه الفضائح آثار ونتائج مدمرة ، أدت إلى بروز أهمية الحوكمة .
وفي ضوء ما تقدم تتناول هذه الفقرة موضوع الحوكمة من خلال التعرض لمفهومها وأهميتها ومبرراتها .

1 . فكرة ومعنى الحوكمة
أ – نشأت و تطور فكرة حوكمة الشركات
إن حوكمة الشركات Corporate Governance عبارة عن مصطلح تم البدء في استخدامه مع بداية عقد التسعينات من القرن الماضي ، حيث تزايد استخدام هذا المصطلح بشكل واسع في السنوات الأخيرة منه ، وأصبح شائع الاستخدام من قبل الخبراء ، لاسيما أولائك العاملون في المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية . يشير ( سليمان ) إلى إن ظهور نظرية الوكالة * Agency Theory وما ارتبط بها من إلقاء الضوء على المشكلات التي تنشأ نتيجة تضارب المصالح بين أعضاء مجالس إدارة الشركات وبين المالكين إلى زيادة الاهتمام والتفكير في ضرورة وجود مجموعة من القوانين واللوائح التي تعمل على حماية مصالح المساهمين والحد من التلاعب المالي والإداري الذي قد يقوم به أعضاء مجالس الإدارة والإدارات التنفيذية بهدف تعظيم مصالحهم الخاصة ، وذلك باعتبارهم الجهة التي تمسك بزمام الأمور داخل الشركة (1 (.
أما عن جذور فكرة حوكمة الشركات فتشير ( أبو العطا ) إلى إنها تعود إلى Berle & Means اللذين يعدان أول من تناولا موضوع فصل الملكية عن الإدارة ، وذلك في سنة 1932 . وتأتي حوكمة الشركات لسد الفجوة التي يمكن أن تحدث بين مديري ومالكي الشركة من جراء الممارسات السلبية التي من الممكن أن تضر بالشركة وبالصناعة كلها (2. (وفي هذا السياق يأتي تأكيد Mitchel et al. و Monks & Minow بعد فترة من الزمن على إمكانية حل مشكلات الوكالة أو تخفيفها ، وذلك من خلال التطبيق الجيد لآليات حوكمة الشركات (4 ) و (5 ) .
وقد أكدت العديد من الدراسات على أهمية الالتزام بمبادئ حوكمة الشركاتوأثرها في زيادة ثقة المستثمرين في أعضاء مجالس إدارة الشركات ، وبالتالي قدرة الدول على جذب مستثمرين محليين أو أجانب ، وما يترتب على ذلك من تنمية اقتصادات تلك الدول . وصاحب ذلك قيام العديد من دول العالم والمنظمات الدولية بالاهتمام بمفهوم حوكمة الشركات ، وذلك من خلال قيام الهيئات العلمية ، والجهات التشريعية بإصدار مجموعة من اللوائح والقوانين والتقارير والقواعد التي تؤكد على أهمية التزام الشركات بتطبيق تلك المبادئ .

ب – معنى الحوكمة
لاشك انه هناك العديد من المصطلحات في اللغة الانكليزية نجد لها معنى واضحا ومتفقا عليه إلى حد الإجماع في اللغة العربية . ولكن في مقابل ذلك هناك العديد من المفاهيم التي لا توجد لها ترجمة حرفية في اللغة العربية ، تعكس ذات المعنى والدلالات التي تعكسها اللغة الانكليزية ، وان احد الأمثلة الحية على هذه المفاهيم هو مصطلح Governance . وعلى المستوى المحلي والإقليمي لم يتم التوصل إلى مرادف متفق عليه في اللغة العربية لهذا المصطلح ، كما إن اقتران هذا المصطلح مع كلمة Corporate أعطاه أكثر من مدلول . وفي هذا السياق يذكر (الصالح ) انه وجد خمسة عشر معنى في اللغة العربية لتفسير المصطلح المذكور وهي ( حوكمة الشركة ، و حاكمية الشركة ، و حكما نية الشركة ، و التحكم المشترك ، و التحكم المؤسسي ، و الإدارة المجتمعة ، و ضبط الشركة ، و السيطرة على الشركة ، و المشاركة الحكومية ، و إدارة شؤون الشركة ، و الشركة الرشيدة ، و توجيه الشركة ، و الإدارة الحقة للشركة ، و الحكم الصالح للشركة ، و أسلوب ممارسة سلطة الإدارة(6 ). ولأغراض هذا البحث سوف يعتمد الباحث مصطلح حوكمة الشركات على Corporate Governance ، الذي يرمز له اختصارا ( CG ) ، الذي حدده المجمع العلمي المصري ، وذلك بالاستناد إلى مجموعة من الأسانيد اللغوية والعلمية (7 ) .
وقد تعددت التعاريف المقدمة لهذا المصطلح بحيث يدل كل منها عن وجهة النظر التي يتبناها مقدم هذا التعريف ، إذ لا يوجد على المستوى العالمي تعريف موحد متفق عليه بين المحاسبين والإداريين والقانونيين والمحللين الماليين لمفهوم حوكمةالشركات Corporate Governance 8 ) ) . و تقع التعاريف الموجودة لحوكمة الشركات في إطار طيف واسع من المضامين ، إذ تتباين التعاريف من تلك التي تعبر عن وجهة نظر ضيقة في طرف من أطرافه إلى التعاريف التي تنطلق لتعبر عن وجهات نظر أوسع نطاقا وأكثر شمولا في الطرف الآخر منه . سوف يضعها الباحث بحسب محاور الاهتمام التي انطوت عليها وكما يأتي :
* التعاريف التي تركز على العلاقة بين الشركة والمالكين وتوجيه
أدائها .
تنسجم هذه التعاريف مع أنموذج التمويل التقليدي ، معبرا عنه بنظرية الوكالة بشكلها المبسط . إذ إنها تركز على المالكين ودورهم في الرقابة على أداءالشركات وتوجيهها . وعلى وفق هذا المنظور عرفتها مبادرة Berlin بأنها " المجموعة الكاملة من الترتيبات التشريعية والمؤسسية التي تحدد الإطار التنظيمي الواقعي والقانوني لإدارة الشركة والإشراف عليها " ( 9 ) .
ويرى الباحث إن التعاريف التي تقع في هذا الإطار قد أغفلت بيان المفاهيم الأساسية التي هي بمثابة الأعمدة التي تركز عليها عملية الحوكمة وهي المساءلة ، و الشفافية ، والنزاهة ، و الإنصاف ومسؤولية جميع الأطراف المشاركة وحماية حقوق جميع أصحاب المصالح في الشركة .

* التعاريف التي تتمحور في تحديد الأطراف ذات العلاقة وتحديد
مسؤوليات وواجبات وصلاحيات كل منها .
ينظر إلى حوكمة الشركات على وفق هذه التعاريف كشبكة من العلاقات ، ليس فقط بين الشركة ومالكيها ، بل بين الشركة ومجموعة كبيرة من أصحاب المصالح الآخرين Stakeholders ( العاملين ، و الزبائن ، و المجهزين ، والمقرضين ، ...الخ ) . كما إنها تنسجم مع نظرية أصحاب المصالح ، التي هي الشكل الموسع لنظرية الوكالة . وفي هذا السياق يأتي تعريف Sir Adrian Cadbury ، الذي عرفها بأنها " تعنى بإقامة التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية ، بين الأهداف الفردية والجماعية ، وان إطار حوكمة الشركاتهنا لتشجيع الاستخدام الكفء للموارد وطلب المساءلة عن الوصايا عليها . وان الهدف هو الربط قدر الإمكان لمصالح الأفراد والشركات والمجتمع كله " ( 10 ) .

* التعاريف التي تركز على أهداف الشركات والبعد الستراتيجي
لها .
تركز التعاريف في إطار هذا المضمون على أهداف الشركة ، ورسم الاتجاه الستراتيجي لها ، للسيطرة على متغيرات بيئتها الداخلية والاستعداد لمواجهة متغيرات البيئة الخارجية والتكيف معها ، وذلك لتحقيق مطالب أصحاب المصالح ، وديمومة بقاء الشركة . وفي هذا الاتجاه يعرف Hitt et al. حوكمةالشركات بأنها " تمثل العلاقات بين أصحاب المصالح ، والتي تستخدم لتحديد الاتجاه الستراتيجي للشركة والرقابة على أدائها . وان حوكمة الشركات في جوهرها تهتم بتحديد طرق لضمان اتخاذ القرارات الستراتيجية في الشركة بشكل فعال( 11 ).
وللتأكيد على دور أصحاب المصالح في الإشراف على المخاطر وإدارتها في الشركة ، يعرف كل من Hermanson و Rittenberg حوكمةالشركات بأنها " عمليات تتم من خلال إجراءات تتخذ من قبل أصحاب المصالح لتوفير إشراف على المخاطر وإدارتها من خلال الإدارة ومراقبة مخاطر المنظمة والتأكيد على كفاية الضوابط الرقابية لتجنب هذه المخاطر ، مما يؤدي إلى المساهمة المباشرة في انجاز أهداف الشركة وحفظ قيمها ، مع الأخذ بنظر الاعتبار إن أداء أنشطة الحوكمة يكون من مسؤولية أصحاب المصالح فيها ، لتحقيق فعالية رعاية العهدة Stewardship " (12 ) .

2 . اهمية ومبررات الحوكمة

لقد تعاظمت في الآونة الأخيرة أهمية حوكمة الشركات بشكل كبير لتحقيق التنمية وتعزيز الرفاهية الاقتصادية للشعوب . إذ برزت هذه الأهمية بعد ألازمة المالية الآسيوية 1997 – 1998 ، والانهيارات والفضائح التي طالت كبرياتالشركات ، مثل شركة انرون Enron للطاقة وما تلا ذلك من سلسلة اكتشافات تلاعب الشركات في قوائمها المالية التي كانت لا تعبر عن الواقع الفعلي لها ، وذلك بالتواطؤ مع كبرى الشركات العالمية الخاصة بالتدقيق والمحاسبة ، وهو ما جعل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD * تصدر مجموعة من القواعد لحوكمة الشركات الخاصة في سنة 2004 ولحوكمةالشركات المملوكة للدولة في سنة 2005 .
فعلى الصعيد الاقتصادي أخذت تتنامى أهمية القواعد السليمة لحوكمةالشركات ، وهو الأمر الذي أكده Winkler بشدة ، حيث أشار إلى أهمية حوكمة الشركات في تحقيق التنمية الاقتصادية وتجنب الوقوع في مغبة الأزمات المالية ، وذلك من خلال ترسيخ عدد من معايير الأداء ، بما يعمل على تدعيم الأسس الاقتصادية في الأسواق وكشف حالات التلاعب والفساد الماليوالإداري وسوء الإدارة ، بما يؤدي إلى كسب ثقة المتعاملين في هذه السواق ، والعمل على استقرارها والحد من التقلبات الشديدة فيها ، وبالتالي تحقيق التقدم الاقتصادي المنشود ( 13 ) .
أما منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ( OECD ) فترى إن الحوكمة احد عوامل تحسين الكفاية الاقتصادية والنمو الاقتصادي ، بالإضافة إلى تعزيز ثقة المستثمرين . وان وجود نظام حوكمة فعال في أي شركة وفي أي اقتصاد بشكل عام ، يساعد في توفير درجة من الثقة ضرورية لكي يعمل الاقتصاد بشكل جيد . ونتيجة لذلك تكون تكلفة رأس المال منخفضة ، وان الشركات تشجع على استعمال الموارد بكفاية أكثر ، وبذلك تعزز النمو الاقتصادي ( 14 ) . ويذهب رئيس البنك الدولي Wolfensohn ابعد من ذلك في تقييمه لأهمية حوكمةالشركات ، إذ انه يقول " إن حوكمة الشركات مهمة ألان في عالم الاقتصاد كأهمية حكم البلدان ( 15 ) .
وفي الجانب المحاسبي والرقابي تتجسد أهمية الحوكمة بما يأتي ( 16 ) :
1 . محاربة الفساد المالي والإداري في الشركات وعدم السماح بوجوده او
عودته مره أخرى .
2 . تحقق ضمان النزاهة والحيادية والاستقامة لكافة العاملين في الشركة
بدءا من مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين حتى أدنى مستوى
للعاملين فيها .
3 . تفادي وجود أخطاء عمديه أو انحراف متعمد كان أو غير متعمد ومنع
استمراره أو العمل على تقليله إلى أدنى قدر ممكن ، وذلك باستخدام
النظم الرقابية المتطورة .
4 . تحقيق الاستفادة القصوى من نظم المحاسبة والمراقبة الداخلية ،
وتحقيق فاعلية الإنفاق وربط الإنفاق بالإنتاج .
5 . تحقيق قدر كاف من الإفصاح والشفافية في الكشوفات المالية .
6 . ضمان أعلى قدر من الفاعلية لمراقبي الحسابات الخارجيين ، والتأكد من كونهم على درجة عالية من الاستقلالية وعدم خضوعهم لأية ضغوط من مجلس الإدارة أو من المديرين التنفيذيين .
أما على الصعيد الاجتماعي فيذكر مركز الحوكمة في الجامعة التكنولوجية في سدني ( UTS ) * إنها تهتم بتحقيق التوازن بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية . ويشجع إطار حوكمة الشركات الاستخدام الكفء للموارد وضمان حق المساءلة عن السيطرة عليها ، ويهدف إلى ربط مصالح الأفراد والشركات والمجتمع بشكل عام ( 17 ) . وفي ذات الاتجاه يؤكد Hitt et al. إن حوكمة الشركات ذات أهمية كذلك للشعوب ، إذ يرغب كل بلد أن تزدهر وتنمو الشركات العاملة ضمن حدوده لتوفير فرص العمل أو الخدمات الصحية ، والإشباع للحاجات الأخرى ، ليس لتحسين مستوى المعيشة فحسب بل لتعزيز التماسك الاجتماعي ( 18 ) .

مبررات حوكمة الشركات المملوكة للدولة وأهميتها

تكتسب الشركات المملوكة للدولة أهمية خاصة ، إذ انه على الرغم من الخصخصة التي شهدتها العديد من الدول ، إلا إن تلك الشركات لازالت مساهماتها تمثل جزءا أساسيا من إجمالي الناتج المحلي وتوفير فرص العمل ، وتظهر بشكل بارز في اقتصادات العديد من الدول ومنها العراق ، الذي بلغت نسبة مساهمة القطاع العام في إجمالي تكوين رأس المال الثابت للمدة 1997 – 2002 ( 88.7 % ، 83.9 % ، 86.4 % ، 89.7 % ، 91.1 % ، 81.7 % ) على التوالي ، في حين بلغت مساهمة القطاع الخاص فيه لنفس المدة ( 11.3 % ، 16.1 % ، 13.6 % ، 10.3 % ، 8.9 % ، 18.3 % ) على التوالي ( 19 ) . كما بلغت نسبة مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي للمدة 1997 – 2002 ( 77 % ، 73 % ، 81 % ، 85 % ، 79 % ، 74 % ) على التوالي . أما القطاع الخاص فقد بلغت نسبة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي للمدة ذاتها ( 23 % ، 27 % ، 19 % ، 15 % ، 21 % ، 26 % )
عل ى التوالي *
أما مساهمة القطاع العام في القيمة المضافة الإجمالية للسنوات
1997 – 2002 فقد بلغت ( 78 % ، 73 % ، 81 % ، 86 % ، 80 % ، 75 % ) ، فيما بلغت مساهمة القطاع الخاص فيها للمدة عينها ( 22 % ،
27 % ، 19 % ، 14 % ، 20 % ، 25 % ) .
كما يبلغ عدد العاملين في هذه الشركات نحو ( 500000 ) شخص ، ويشكلون نسبة 12.5 % من إجمالي العاملين في العراق البالغ ( 4000000 ) شخص ( 20 ) .
يتضح مما تقدم إن قطاع الشركات العامة وكما هو الحال في العديد من دول العالم ، لا يزال يمثل القسم الأغلب من النشاط الاقتصادي باستثناء الزراعة ، إذ إن هذه الشركات تؤدي دورا مهما في تنمية الاقتصاد الوطني ، وذلك من خلال توفير فرص العمل لعدد كبير من المواطنين ، ومساهمتها بنصيب كبير من الناتج المحلي الإجمالي والقيمة المضافة الإجمالية . لذلك إن أي إخفاق يتعرض له هذا القطاع سوف لا تنحصر آثاره في القطاع نفسه ، بل تمتد إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد الوطني ، والتي تعتمد على مخرجات هذا القطاع . وبناء على ما تقدم يجب تحليل ودراسة المشكلات التي يعاني منها ، وبخاصة مشكلةالفساد المالي والإداري التي استشرت فيه بشكل غير مسبوق ، ليس لغرض حماية هذه الشركات من الانهيار فحسب ، بل لحماية الشركات التابعة للقطاع الخاص التي تعتمد عليه بشكل كبير مصدرا لمدخلاتها أو سوقا لمخرجاتها ، وبالتالي حماية الاقتصاد الوطني كله .