النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: كتاب البيع وسائر المعاملات - بن جبرين - شرح كتاب بن حنبل

  1. #1

    تاريخ التسجيل
    Sat, 05 Dec 2009 01 AM:28:22
    المشاركات
    2
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي كتاب البيع وسائر المعاملات - بن جبرين - شرح كتاب بن حنبل

    أخصر المختصرات في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل
    شرح الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
    كتاب البيع وسائر المعاملات
    مواضيع :
    1/ شروط البيع
    2 / أقسام الخيار
    3 / ربا الفضل
    4 / ربا النسيئة
    5 / بيع الأصول وبيع الثمار




    البيع



    شروط البيع
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب البيع وسائر المعاملات

    ينعقد بمعاطاة وبإيجاب وقبول بسبعة شروط: ـ

    الرضا منهما، وكون عاقد جائز التصرف، وكون مبيع مالا، وهو ما فيه منفعة مباحة، وكونه مملوكا لبائعه، أو مأذونا له فيه، وكونه مقدورا على تسليمه، وكونه معلوما لهما برؤية أو صفة تكفي في السلم، وكون ثمن معلوما، فلا يصح بما ينقطع به السعر.

    وإن باع مشاعا بينه وبين غيره، أو عبده وعبد غيره بغير إذن، أو عبدا وحرا، أو خلّا وخمرا صفقة واحدة صحَّ في نصيبه وعبده، والخل بقسطه، ولمشترٍ الخيار.

    ولا يصح بلا حاجة بيع ولا شراء ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني، وتصح سائر العقود، ولا بيع عصير أو عنب لمتخذه خمرا، ولا سلاح في فتنة، ولا عبد مسلم لكافر لا يعتق عليه.

    وحرم ولم يصح بيعه على بيع أخيه، وشراؤه على شرائه، وسومه على سومه.

    فصل: والشروط في البيع ضربان:

    صحيح: كشرط رهن وضامن وتأجيل ثمن، وكشرط بائع نفعا معلوما في مبيع كسكنى الدار شهرا، أو مشتر نفع بائع كحمل حطب أو تكسيره، وإن جمع بين الشرطين بطل البيع.

    وفاسد: يبطله، كشرط عقد آخر من قرضٍ وغيره، أو ما يعلق البيع كبعتك إن جئتني بكذا، أو رضي زيد.

    وفاسد: لا يبطله كشرط أن لا خسارة، أو متى نفق، وإلا رده ونحو ذلك.

    وإن شرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ.


    --------------------------------------------------------------------------------

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    نعرف أن علماء هذه الأمة اعتنوا بالعلوم الشرعية، وَأَوْلَوْها اهتمامهم، وبيَّنوا أن الشرع الشريف شامل لكل ما يحتاج إليه من أمور الدين، ومن أمور الدنيا، وأنه ليس خاصًّا بالعبادات، بل يدخل في ذلك المعاملات، ويدخل في ذلك العقود، ويدخل في ذلك الجنايات، وما أشبهها، فليس هناك شيء يحتاج إليه إلا والشرع الشريف قد بينه ووضحه.

    ثم إن الأولين كانوا يجمعون علم العقائد مع علم الأحكام؛ وذلك لأن العقائد تعتبر هي أساس علم العبادات، ولا تصح العبادات إلا إذا صحَّت العقائد التي هي التوحيد الكوني، والتوحيد العلمي، كما فعل البخاري حيث قدَّم كتاب العلم، وكتاب الإيمان قبل كتاب الأحكام، الطهارة وما بعدها، وكذلك فعل مسلم حيث قدَّم كتاب الإيمان، وكذلك ابن ماجه حيث قدَّم أيضا كتاب الاعتقاد، أو الإيمان.

    ثم إن كثيرا من العلماء أفردوا كتاب العقائد والتوحيد، وجعلوه بكتب خاصة؛ وذلك لأهميته؛ ولأنه يخرج الخلافُ فيه من الملة؛ فألَّفوا فيه مؤلفات خاصة مثل: كتاب "السنة" للإمام أحمد، و"السنة" لابنه عبد الله، و"التوحيد" لابن خزيمة، و"التوحيد" لابن منده، و"السنة" لابن أبي عاصم، و"السنة" للخلال، و"الإيمان" لابن أبي شيبة، و"الإيمان" لأبي عبيد القاسم بن سلام، و"الإيمان" لابن منده، و"الشريعة" للآجري وأشباهها.

    ولما أنهم أخرجوا كتب العقائد بقي من الشريعة نوعان: نوع سموه "الأحكام" ونوع سموه "الآداب" فأما الآداب فإنها: آداب المسلم في إسلامه، فيما يتعامل به مع إخوانه، وفيما يتعامل به مع جيرانه، وما أشبه ذلك.

    وهذا النوع مستحسن عقلا، ووارد شرعا، ومع ذلك فإن أهل الجاهلية كانوا يحبذون العمل به، يمدحون أهله؛ لذلك أخرج هذا النوع في مؤلفات خاصة مثل: "الأدب المفرد" للإمام البخاري، و"الآداب" للبيهقي، و"أدب الدنيا والدين" للماوردي، و"الآداب الشرعية" لابن مفلح وما أشبهها، يتكلمون فيها عن الفضائل كالصدق، يعني: آداب الأخلاق، وحسن الخلق، وما يتصل به، وأضداد ذلك، ذم الكذب، وذم سوء الخلق، وكذلك مدح الكرم، وذم البخل، ومدح الأمانة، وذم الخيانة، وما أشبه ذلك، فمنه ما يكون معتمده الأحاديث كما فعل النووي في "رياض الصالحين" وكذلك المنذري في "الترغيب والترهيب" ومنه ما يتعدى إلى الآثار والأشعار وما أشبهها، كما فعل ابن حبان في "روضة العقلاء" وكل هذا لا شك أنه علم مفيد، وأن التأدب به يفيد مَن تعلمه، وتخلق به، ولكنه لا يضلل به، ولا يخرج من الملة، وإن كان يمدح به في التزكية، ويقدح ضده في العدالة، وترد به الشهادة، وما أشبه ذلك.

    فجعلوا هذا العلم خاصا، وفيه مؤلفات خاصة، وأدرجه بعضهم في المؤلفات العامة، فالبخاري جعل في كتابه (صحيحه) "كتاب الأدب" وكذلك مسلم، وكذلك أبو داود، والترمذي، ونحوهم، وأُفْرِد هذا النوع بكتب خاصة، وما ذاك إلا لأهميته، ولاختلاف الآراء فيه، وما بقي إلا الأحكام التي يتعلق بها حُكْمٌ مِن صحة أو فساد، وسموا هذا الاسم بـ "علم الأحكام" أو بـ "علم الفقه" وهو ما أُلِّف فيه في المذاهب الأربعة وغيرها، وأكثر العلماء من التأليف فيه في كل مذهب، وفي المذهب الحنبلي أول من ألف فيه الأبواب "الخرقي" صاحب المختصر، وقبله الذين يؤلفون يعتمدون على أشياء خاصة، كالذين كتبوا في مسائل الإمام أحمد، حيث قسموها أو بوبوها، ولكنهم أضافوا إلى الأحكام غيرها.

    ولما كتبوا في هذا النوع الذي هو علم الأحكام الفقهية قسموه إلى أربعة أقسام: قسم العبادات، وقسم المعاملات، وقسم المعاقدات، وقسم الجنايات، وبدءوا بقسم العبادات؛ لأنها حق الله على العبيد؛ ولأن منها ما هو فرض عين؛ ولأنها حق الله تعالى فلا بد من معرفته.

    ثم إنهم قسَّموها إلى أربعة أقسام على ترتيب أركان الإسلام، فبدءوا بالصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، هذا هو ترتيب أكثرهم، وأضاف كثير منهم الجهاد، وجعلوه ركنا سادسا كما فعل ابن قدامة في "المقنع" ومن تبعه من بعده، فرتبوها على ترتيب هذه أركان الإسلام، بدءوا بالصلاة إلا أنهم قدموا شرطها عليها، وهو الطهارة؛ لأن الشرط يتقدم المشروط، وانتهوا من الصلاة وما يتعلق بها، ألحقوا بها أيضا الجنائز؛ لأن أهم ما يُعمل في الجنائز الصلاة على الميت، فألحقوها بالصلاة.

    وبعد ذلك ذكروا الزكاة؛ لأنها قرينة الصلاة بكتاب الله، وبعد ذلك ذكروا الصيام، فإنه الذي جاء في الأركان بعد الصلاة، والزكاة؛ ولأنه فرض عين على مَن كُلِّف، وبعد الانتهاء منه ذكروا كتاب الحج؛ وذلك لأنه من أركان الإسلام، وأخروه؛ لأنه لا يجب إلا في العمر مرة واحدة، ولا يجب إلا على المستطيع، وبعد ذلك ذكروا الجهاد؛ لأن الصحيح أنه من فروض الكفاية، وإن كان قد يصل إلى فرض العين في بعض الأحوال، ولما انتهوا من كتاب العبادات وقسمها بدءوا في المعاملات؛ وذلك لأنه أهم شيء يحتاجه الإنسان في حياته تحصيل القوت والغذاء الذي به قوام حياته، ومعلوم أن الإنسان لا بد له من غذاء يتقوَّت به، وهو الأكل والشراب والكسوة ونحوها، وذلك يتوقف على تحصيل المال والكسب.

    وقد عُرِف أن أنواع الكسب كثيرة، المكاسب التي يكتسب منها المال فمنها: الحِرَف اليدوية كالصناعات من حِدادة، ونجارة، ونساجة، وحجامة، وهي فئة، ومثلها أيضا الصناعات الحديثة، وصناعات الأدوات والمكائن، وما أشبهها، وما تحتاج إليه من هندسة ونحو ذلك، فهذه من أنواع المكاسب التي ينشغل بها خلق كثير، ومنها أيضا الحرف اليدوية مثل: البناء والحفر، والغرس، والتكسب بمثل ذلك كخياطة وغسيل وما أشبه ذلك، هذه أيضا من المكاسب التي يتكسب بها.

    وكذلك أيضا تربية المواشي وتغذيتها، والتكسب من ورائها، وكذلك غرس الأشجار واستثمارها، والتكسب من ثمارها أكلا وتجارة وما أشبه ذلك، وكل هذه تعرف بالتجربة، ويحتاج في معرفتها إلى تعلم مبادئها، وليس لها أحكام من الأحكام التي يُعرف بها حل أو حرمة إلا الأشياء العامة من تحريم الغش فيها والخيانة والمخادعة وخلف الوعد، وما أشبه ذلك.

    لكن أهم شيء في المعاملة هو البيع والتجارة؛ فلذلك اعتنوا بهذا النوع الذي هو قسم التجارة، فابن ماجه في سننه قال: "كتاب التجارات" والبخاري قال: "كتاب البيوع" وكذلك مالك وأبو داود ومسلم وغيرهم قالوا: "كتاب البيوع" وبعضهم قال: "كتاب البيع" وسبب تخصيصهم واعتنائهم بالبيع أن فيه مخالفات، وفيه شروط، وفيه أخطاء كثيرة، وتدخل الشرع في أموره فأحلَّ أشياء، وحرَّم أشياء، ففيه أنواع الربا، وفيه النهي عن الغرر، وما أشبه ذلك.

    ولا شك أن هذا من أهم الأمور التي يحتاج إليها، أي: من الأمور المهمة في هذه الحياة، ولا شك أن الكسب الحلال له تأثير في الغذاء، وتأثير في حفظ الحياة الطيبة، وأن الكسب الحرام له أيضا تأثير في العبادت، والمعاملات؛ ولذلك ورد في حديث: لا يدخل الجنة لحم نبت على سحت وفي رواية: كل لحم - أو كل جسد- نبت على سحت فالنار أولى به والسحت هو الحرام الذي ذم الله اليهود به، قال تعالى: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ أي: للحرام، وقال تعالى: وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وفسر أكلهم هذا بقوله في آية أخرى: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ فإن هذا من السحت.

    وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن أكل الحرام سببٌ لرد الدعاء في قوله: إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبا، ثم ذكر الرجل يطيل السَّفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يُستجاب له؟‍! يعني: أنه لما تغذى بالحرام رد الدعاء منه مع ذكر الأسباب الكثيرة التي تكون سببا في إجابة الدعاء؛ فلذلك يتأكد على المسلم أن يبتعد عن أكل الحرام، وأن يحرص على أكل الحلال، ولا شك أن له تأثير عجيب في إجابة الدعاء.

    ذكروا قبل نحو سبعين أو ثمانين سنة أن رجلا في بعض القرى القريبة كان مُستجاب الدعوة، يأتي إليه المريض، فينفث عليه؛ فيشفى بإذن الله، ويدعو له، فيستجاب دعاؤه، ثم إنه استُحْضِر إلى هذه البلاد، وقيل: إنه يتعاطى سحرا أو نحو ذلك، فلما اختبر أخبر بأنه لا يأكل إلا حلالا، وأن والده خلَّف له بستانا من كسب يده، وأوصاه بألا يأكل إلا منه، وأنه توقف عليه، فهو ينفق عليه بجزءٍ منه، ويتغذى بجزء منه، ويبيع بيعا صحيحا بعضه، ويشتري بما يبيعه منه حاجاته الأخرى الضرورية.

    ويشهد لذلك أيضا حديث في صحيح البخاري، حكى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن رجلا رأى سحابة، وسمع صوتا فيها يقول: اسق حديقة فلان يقول: ثم إن تلك السحابة تقدمت قليلا، وأمطرت في شعب، فتبع سيله حتى وصل إلى حديقة، وفيها رجل يصلح الماء، فسأله فإذا هو ذلك الرجل الذي سُمِع اسمه من السحابة، وأخبر بأنه يقسم إنتاجها ثلاثة أقسام، قسما يتصدق به، وقسما يرده فيها ينفق به عليها، فرحمه ربه بهذا التصرف الحَسَن، وأرسل هذه السحابة لتسقي حديقته

    وكذلك أيضا ذكر لنا بعض مشائخنا في بعض القرى تأخر المطر عن زمانه، وخيف على بعض الأشجار والثمار الكساد أو الموت واليبس، ولم يقدروا على الاستسقاء إلا بأمر عام من الحكومة، ثم إن أحدهم استسقى وحده، ومعه أولاده وأخوه، صلى ركعتين في صحراء قريبة من بستانه، ولما صلى ركعتين رفع يده ودعا ودعا وقلب رداءه أو كساءه، وقلب أهله أرديتهم، ولم يمكث إلا يوما واحدا حتى جاءت سحابة، وسقت بستانه حتى روي، ووصل إلى جاره، ولم يسق إلا خمس نخلات، ثم وقف.

    هذا من آثار الغذاء الطيب، من آثار الكسب الحلال إجابة الدعوة، ولا شك أن كلما فشا الحرامُ، وكثر تداوله كان ذلك من أسباب رد الأدعية، وعدم الاستجابة، وهكذا أيضا إذا فشت المعاصي، وكثرت المخالفات.

    والحاصل أن العلماء اهتموا في هذه الكتب بالكسب الحلال، فذكروا شروط البيع، والشروط فيه، والخيار، والربا، والتحذير منه، أو تنويعه، وكذلك بقية المعاملات إلى أن ذكروا أنواع المكاسب التي يحصل منها كسب المال، ومنها الفرائض، والوصايا، والعتق، وبنهاية العتق يكون قد انتهى قسم المعاملات التي فيها كسب المال بأي طريق من الطرق، وبعدما أن انتهوا من هذا القسم عرفوا أن المسلم إذا حصل على قوته، وعرف كيف يكسب المال، وعرف وجوه المكاسب المباحة، فلا بد له بعد ذلك من أمر آخر ألا وهو النكاح، فإنه أيضا من الضروريات في هذه الحياة، وإن لم تكن الضرورة إليه مثل الضرورة إلى الغذاء الذي هو القوت الذي هو ضروري في كل يوم مرة، أو مرات.

    لما انتهوا من المعاملات بدءوا بالقسم الثالث، وهو قسم النكاح، ويسمى العقود والمعاقدات، وأدخلوا فيه الخلع، والطلاق، والإيلاء، والظهار، واللعان، والعِدَد، والنفقات؛ لأنها من تمامه، وإن كانت لها تعلق بالقسم الثاني الذي هو المعاملات، وبعدما انتهوا من هذا القسم، فالعادة أن الإنسان إذا تمت عليه النعمة -نعمة المأكل، والمشرب، والمسكن، والملبس، والمنكح- فلا بد أن يكون عنده شيء من التعدي، لا بد أن يتعدى، طبع الإنسان الأشر، والبطر، والاعتداء على الغير؛ فجعلوا بعد ذلك قسما رابعا هو خاتمة أقسام الفقه، وهو قسم "الجنايات" الذي هو الشجاج، والقصاص، والديات، وما يتصل بها، وكذلك الحدود التي حددها الشرع عقوبة على المحرمات، كحد الزنا، وحد السرقة إلى آخرها، وألحقوا بذلك أيضا القضاء؛ لأنه لا يُحتاج إليه إلا عند كثرة الجنايات، وكثرة الخصومات، وختموا بالإقرار الذي يكون سببا للحكمِ بما أقر به.

    فهذه أقسام الفقه، هكذا قسَّم فقهاء الحنابلة، لكن هناك كثير قدموا وأخروا في هذه الأقسام من المتقدمين والمتأخرين، ولكل اجتهاده، نعود فنقول: البيع هو أكثر ما يستعمل في المكاسب، وذكروا أن اشتقاقه من الباع، الباع هو ما بعنا اليدين إذا مدتا، سمي بذلك لأن المتبايعين يمد كل منهما باعه يعني: يده بالأخذ والإعطاء، فالبائع يمد يده بالسلعة، والمشتري يمد يده بالثمن، وعرفوه بأنه عقد أو معاملة لأخذ شيء من السلع بثمن معلوم، والعقد والمعاقدة بين اثنين، بين المشتري والبائع، ولا بد فيه من الصيغة التي يصح بها، الصيغة ذكروا أن له صيغتين: ـ

    صيغة قولية، وصيغة فعلية، القولية هي الإيجاب والقبول، والفعلية هي المعاطاة من البائع أو المشتري.

    فالصيغة القولية: أن يقول البائع: بعتك، ويقول المشتري: قبلت، بعتك الثوب بعشرة، ويقول المشتري: قبلته أو رضيت به، هذه هي العادة أنه لا بد من إيجاب و قبول، ثم لا بد أن يكون الإيجاب هو المتقدم، وقيل: يصح تقدم القبول، فإذا قال -مثلا-: اشتريت الكتاب منك بعشرة، فقال: قد بعتك، صح ذلك ولو كان القبول متقدما، وكذلك إذا قال: بعني هذا الكتاب بعشرة فقال: خذه بها، صح ذلك.

    واختلفوا في تأخير الإيجاب، أو في تأخير القبول، فلو -مثلا- أنه قال: بعتك كتابا بعشرة، سكت المشتري ساعة أو ساعتين، ثم قال: قبلت، الصحيح أنه يجوز ذلك وينعقد، وكذلك -مثلا- لو اشتَغَل بكلام الأجنبي لو قال: بعني هذا الكتاب بعشرة، فسكت البائع، ثم انتقل إلى كتاب آخر، فقال: بعني هذا المصحف -مثلا- بعشرين، ثم بعد ذلك قال: قد بعتك الأول بعشرة، فلا حاجة إلى أن يقول: قبلتُ؛ وذلك لأنه قد بدأ بسومه من قبل، ثم ذكروا له صيغة المعاطاة، صيغة فعلية، وهي أن يمد إليه السلعة، ويمد الثمن إذا كان قد عرف ثمنها، لو كان مكتوبا على الكتاب ثمنه، أو على الكيس ثمنه، فمد الدراهم، ولم يتكلم، فأخذها البائع، ومد إليه السلعة، ولم يتكلم واحد منهما، تسمى هذه صيغة فعلية، تستعمل في الأشياء التي عُرف ثمنها.

    إذا أتيت إلى الخباز فإنك تدفع إليه ريالا، ويمد إليك أربع عادة دون أن يتكلم واحد منكما، وهكذا أيضا بقية المعاملات التي لا يحتاج فيها إلى مماكسة، أثمانها معروفة، ومثلها أيضا الأجرة إذا كانت محددة أجرة السيارة إلى مكان معين فتسمى هذه معطاة، ذكر أنه يشترط له سبعة شروط، فأشار إلى أنها لا بد منها: ـ

    الشرط الأول :

    التراضي منهما؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنما البيع عن تراضٍ أي: لا يكون إلا عن تراضٍ، يخرج المغصوب إذا أخذت منه سلعته بدون اختيار منه، فإن البيع باطل؛ وذلك لأنه لم يسمح بها، ولم يرض بذلك الثمن، إما أنه بحاجة إلى سلعته، سيارته -مثلا-، أو بيته، أو ثوبه، وإما أن الثمن قليل الذي بذلوه له؛ لذلك اشترط التراضي، قال تعالى: لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُم أي: عن رضا من الطرفين، كذلك أيضا لو ألزم المشتري وأكره ليشتري هذه السلعة، وألجئ إلى شرائها، وهو لا يريدها لا ينعقد البيع، فلا يجوز إكراه البائع، ولا إكراه المشتري لا بد من الرضا؛ وذلك لأن المكره ليس مختارا، بل ملجأ إلى ذلك.

    وقد اختلفوا في بيع التجزئة، والصحيح أنه لا ينعقد إلا إذا كان ذلك للمسافر كما إذا كثرت الديون على إنسان، وأكرهه الحاكم على بيع بيته، أو سيارته -مثلا-، أو سلع لضمان أداء دَيْنِه، فإن هذا إكراه بحق.

    الشرط الثانى:

    أن يكون الأخذ جائز التصرف، سواء أن كان هو البائع أو المشتري، فإذا كان سفيها، أو صغيرا، أو محجورا عليه، أو مملوكا فلا ينفذ تصرُّفه، أجازوا الشيء اليسير في الصغير، الصغير الذي دون العاشرة أو نحوها إذا جاءك -مثلا- بريال، أو خمسة ريالات، وطلب حاجة معروفة، وأعطيته، فإن هذا عادة ينقضي؛ لأنه في الغالب يتسامح فيه.

    وأما إذا جاء بمال كثير كخمسين، أو مائة، فالأصل أن أهلَه لا يولونه مثل هذا فلا بد أنه أخذها من غير رضا، فلا يجوز أن ينفذ بيعه وشرائه، وهكذا -مثلا- لو أخذ كيسا، أو ثوبا له قيمة، أو كتابا له قيمة، وجاء به ليشترى فالعادة أن أهله لا يوافقون على توكيله على هذا، فلا بد أن يكون العاقد جائز التصرف، يأتينا -إن شاء الله -في باب الحجر متى يجوز تصرفه؟.

    الشرط الثالث:

    كون المبيع مالا، وهو ما فيه منفعة مباحة، فلا يجوز بيع ما ليس فيه منفعة، أو فيه منفعة، ولكنها محرمة مثل الخمر الذي ذكره الله: وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وكذلك إذا كانت المنفعة المباحة ليست مباحة مطلقا، كالكلب فإنه وإن كان فيه منفعة الحراسة، أو الصيد، لكنها منفعة خاصة محتاج إليها.

    وكذلك الحشرات ليس فيها منفعة، فإذا كان فيها منفعة خاصة، فإنه يجوز بيعها مثل: بيع النحل، فإنه يستخرج منه العسل، فيجوز بيعه، وإن كان من الحشرات التي هي شبيهة بالذباب، ومثل بيع دودة القذ، فإن نسيجه يستعمل حريرا ينتج منه الحرير، مثله مثل العنكبوت إلا أنه أرق وألين، فيأخذ هذا النسج، وينسج منه ثياب لينة رفيعة الثمن، فيجوز بيع نسجه، ويجوز بيع الدود نفسه.

    وأما بقية الحشرات فلا يجوز بيعها، وكذلك ما لا منفعة فيه، الذي فيه منفعة مباحة، ولو كان حرام الأكل مثل الحمر، الحمار الأهلي منفعتُه مباحة، والناس يحتاجون إليه للحمل عليه وركوبه عادة، وإن كان غير مأكول، فبيعه متعارفٌ عليه.

    الشرط الرابع:

    كون المبيع مملوكًا للبائع، أو مأذونا له فيه، يخرج أن يبيع ما ليس في ملكه، فلا يبيع شاة غيره، ولا بيت غيره، ولو كان أخاه لأبيه وأمه إلا إذا كان موكَّلا مأذونا له في البيع، فإنه يقوم مقام صاحب المال، وكذلك لا يشتري لغيره، فلو أعطاك إنسان -مثلا- أمانة ألفا، أو عشرة آلاف اعتبرها أمانة، ولا تقل: سوف أشتري له به سلعا، أو أشتري بها أرضا، أو دارا، ولو كانت رخيصة، أحفظها له حتى تسلمها، ولا تقل: إن هذا أنفع.

    ولا يجوز لك أن تبيع شاة غيرك حتى ولو جاء إنسان محتاج، وسوف يدفع فيها ثمنا كثيرا، وتقول: أبيعها لأجل المصلحة، لأجل هذه المصلحة التي ليس لها نظير، فلا يجوز ذلك، وما ذاك إلا أنه في هذه الحال قد لا يرضى، قد تكون حاجته أشد إلى تلك الشاة، أو إلى ذلك الثوب، أو ذلك الكيس، أو ما أشبه، فالحفظ لهم أولى.

    لو -مثلا- اشتريت شاة، ونويتها لزيد بدرهم عندك له، ثم قبلها زيد، أو كان عندك له دراهم، وعرفت أنهم بحاجة إلى شاة، ورأيت شاة مناسبة، واشتريت تلك الشاة بدراهمه، فإن رضي فهي له، وإن سخط لزمتك أنت، ولا يقبلها صاحبها البائع إلا إذا أخبرته، وقلت: إنى اشتريها من زيد، وقد لا يكون موافقا؛ لأنه غائب عندي له دراهم، فإذا لم يرضها فإنَّ صاحبها يقبلها؛ لأنك أخبرته بأنك لا تشتريها لنفسك، وإنما لغيرك، لإنسان عندك له مال، وهو لم يرض، أما إذا كان حاضرا، واشتريت بماله، وأقرك، وانتهى العقد، ففي هذه الحالة الساكت وهو يرى تصرفك، الصحيح أنه يلزمه ذلك، وإذا تم البيع فليس له الرجوع، وليس لصاحبها أن يُلْزَم بها.

    والحاصل أن هذا يعتبر من الشروط المشهورة، وهو كون البائع مالكا للعين، أو وكيلا لتلك العين مأذونا له فيها.

    الشرط الخامس:

    القدرة على التسليم، يُخرج ماذا؟ إذا كان لا يقدر على تسليمه، فإنه لا يصح العقد، مثَّلوا ببيع الجمل وهو شارد، عادة أنه إذا شرد لا يستطيعون اللحوق به، توجد عندهم الخيل، ولكن قد لا تدركه، وقد تدركه ولكن يغلب الفرس بقوته، ربما صدمها وسقطت؛ من أجل ذلك قالوا: لا يباع وهو شارد، يمكن في هذه الأزمنة يدرك بالسيارات، وإن كان قد يسلك طريقا صعبة لا تسلكها السيارات، إذا كانت فيها شعاب، أو أشجار، وحجارة، ومرتفعات، ومنخفضات، وهو الجمل قد يصعد الجبال، قد يسرع السير، قد يصعد المرتفعات، ولا يهمه؛ فلذلك لا يصح بيعه حتى يقدر على تسليمه.

    وكذلك أيضا العبد الآبق الهارب، لا يجوز بيعه أيضا؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، وهكذا أيضا بيع الطير في الهواء، ولو أَلِفَ الرجوع كالصقر -مثلا-، والبازي، والباشر التي تعلم لأجل الصيد بها، منه إذا كان طائرًا في الهواء، فالعادة أنه لا يفهم، إذا قيل له: ارجع ما يدري، ولا يرجع، وإن كان أهله يشيرون إليه إشارات فينزل بها، ولكن ليس ذلك مطردا؛ فلذلك لا يجوز بيع الطير في الهواء، وهكذا الطيور المأكولة، ولو مر بك حمام، أو كان في طريقه في السماء، فلا يجوز أن تقول: أبيعك يا فلان خمسًا من هذا الحمام سأرميها، وأسقطها، وليس ذلك في إمكانك، وليس ذلك بملكيتك، ولو كنت معتادا أنك تصيب إذا رميت، فلا يجوز بيعه وهو في الهواء، وكذلك السمك في البحر، فالعادة أنه يكون بعيدا، وقد يهرب إذا نزل عليه أحد يصيده، فلا يجوز بيعه في هذه الحال، هذه أمثلة.

    الشرط السادس:

    أن يكون معلوما لهما برؤية، أو صفة تكفي في السَّلَم، المبيع لا بد أن يكون مرئيا، أو موصوفا بصفة توضحه، فالمرئي في الجمل تشاهده تنظر فيه، ومثل الثوب تقلبه، ومثل كذا ترفعه، تنظر فيه، ومثل الكتاب تقلب ورقاته وتعرفه، فهذا بيعه صحيح بعد رؤيته وتقليبه، والغائب لا بد من صفته وصفا دقيقا، لا يكون معه اختلاف، وصفا يكفي في السَّلَم.

    يأتينا في السلم أنه لا يجوز السلم في الأشياء التي لا تنضبط بالوصف إن كانت ستدخلها صناعات يدوية، فعلى هذا لا بد أن يكون منضبطا بالصفة، ثوب من صفته كذا وكذا، نوع القماش كذا وكذا، طوله كذا، عرضه كذا شاة صفتها كذا، ولونها كذا، سمينة، وسط، أو هزيلة، وسنها كذا وكذا، كذلك -مثلا- فيما ينضبط بالصفة من الأحذية -مثلا-، والكتب، والرماح، والسيوف، والأقمشة بأنواعها، والحبوب، والثمار التي توصف، وتنضبط بالصفة كعشرين صاعا من بُرٍّ من نوع كذا وكذا، أو من تمر لا شك أن هذه تنضبط بالصفة.

    الشرط السابع الأخير :


    كون الثمن معلوما؛ وذلك لأنه أحد العوَضين، والعوض لا بد أن يكون معلوما للمتعاقدين، فالثَّمن عِوَض يبذله المشتري، فلا بد أن يكون معلوما، معلوما بالعدد، ومعلوما بالنوع، فإذا كان -مثلا- في البلد عملات مختلفة، فيها -مثلا-: جنيه سعودي، وجنيه مصري، وجنيه سوداني، فلا بد أن تقول: بمائة جنيه وتعينها، وإذا كان في البلد ريال سعودي، ويمني، وقطري، فلا بد أن تحدد الريال الذي تبيع به من أي العملات هو، وإذا كان فيها -مثلا- دينار كويتي، ودينار بحريني، ودينار أردني، فلا بد أن تحدد لأي الدنانير هو.

    وهكذا إذا كان فيها عملتان مختلفتان، فإذا كان فيها دينار، ودولار، فلا بد أن يحدد البيع بأيهما، فلا يقول -مثلا-: بمائة، ويسكت، بل لا بد أن يبين النوع بمائة دينار، مائة دولار، مائة ريال، وهكذا الثمن يجب أن يكون معلوما.

    وكذلك أيضا العدد أن يقول: عشرين، ثلاثين، مائة، وما أشبه ذلك، فلا يصح بما ينقطع به السعر، أي: بما تقف عليه السلع، إذا قال -مثلا-: أنا جلبت هذه الأكياس فخذ منها عشرة بالسعر الذي أبيع به في السوق، ما ينقطع به السعر، يوجد خلاف، ولعل الأقرب أنه جائز إذا كان السعر عادة معين، ومنعه من ذلك مخافة أن يكون البيع مجهولا، أو تكون السعر في السوق متفاوتا، فقد يبيع كيس بمائة، وقد يبيع كيس بتسعين، وقد يبيع آخر -مثلا- بمائة وعشرة؛ فلذلك لا بد أن يحدد السعر.

    يقول: "إذا باع مشاعا بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، أو باع عبده وعبد غيره صفقة واحدة، أو باع عبدا وحرا صفقة واحدة، أو خلا وخمرا صفقة واحدة صحَّ في نصيبه من المشاع، وفي عبده، وفي الخل بقسطه، ولمشترٍ الخيار" إذا لم يبع صاحبه القسم الثاني، وتسمى هذه مسائل تفريق الصفقة، وهي التي تصح الصفقة في بعض البيع دون البعض.

    مثال: عندنا الصورة الأولى: إذا كان لكم أرض مجموعها ثمانمائة، مشتركة بينك وبين زيد، ثم إنك جاءك إنسان، وقال: بعني هذه الأرض بمائة ألف فبعتها بمائة ألف، شريك ما وكَّلك، وغائب لم يحضر، ولم يدري ففي هذه الحال إذا جاء شريكك، وقال: لا أوافق، فإن المشترى يأخذ نصيبك، وهو نصف الأرض -أربعمائة-، أو يردها ويقول: لا أريد إلا الجميع، له الخيار في ذلك، وحيث إنك بعت نصيبك من هذه الأرض، فإن لشريكك أن يشفع عليك، فيأخذ نصيبك، ويعطيك الثمن الذي بعت به.

    كذلك إذا بعت عبدك وعبد غيرك، إما عبدٌ واحدٌ مشترك بينكما فبعته، وشريكك لم يقبل، وإما عبدان، إنسان يريد أن يشتري عبدين، فبعت عبدك، وعبد زيد صفقة واحدة -مثلا- بعشرة آلاف، ثم امتنع صاحب العبد من بيعه، فإن المشتري له الخيار، أن يأخذ عبدك، أو أن يرد الجميع، ويقول لك: لا أريد إلا الاثنين، وكذا لو أخذ شاتين مثلا، شاة لك، وشاة لزيد، قال: لا أريد إلا شاتين، فبعت شاتك، وشاة زيد، ولم يرض زيد، فإن البيع يصح بشاتك، ولا يصح بشاة زيد إلا برضاه، وإذا لم يرض فإن للمشتري الخيار.

    وكذلك لو باع ما لا يحل مع ما يحل: عبدا وحرا، أو خلا وخمرا، الحر لا يجوز بيعه، والخمر لا يجوز بيعها، فإذا باعها -مثلا- بألف -مثلا- خلا وخمرا، صح في الخل؛ لأنه منتفع، وهو مباح، ولم يصح في الخمر، ولمشتر الخيار، لو كان المشتري يعتقد أن كليها خل، ووجد أن أحدهما خمر.

    يقول: "ولا يصح بلا حاجة بيع ولا شراء ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها الثاني" لقوله تعالى: فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ المراد بالنداء النداء الثاني الذي عند جلوس الإمام، فإذا نودي للصلاة بالنداء الثاني حرم البيع والشراء، ومن باع واشترى، فالبيع باطل، قال تعالى: وَذَرُوا الْبَيْعَ أي: اتركوا البيع، والنهي يقتضي الفساد.

    استثني صاحب الحاجة إذا كانت الحاجة ملحة، شديدة بأن يكون -مثلا- هو بحاجة إلى ثوب يستتر به في الصلاة، يفاجأ بمن يبيعه امرأة أو نحوها، فإنه يشتري ذلك ويصح، وكذلك لو اشترى -مثلا- طعاما وكان جائعا شديد الجوع جاز شراؤه؛ لأنه مضطر، أما مَن لا تلزمه الجمعة كالمرأة والصغير فإنه لا حرج في بيعه أو شرائه بعد النداء.

    أما سائر العقود فتصح، عقد النكاح يصح بعد النداء -نداء الجمعة-، وكذلك عقد الوقف، وعقد الخلع، وعقد العتق؛ لأنه ليست في جنس البيع، ولا تدخل في مسماه، لا يصح بيع ما يستعان به على معصية، فإذا عرفت -مثلا- أن إنسانا يشتري منك عصير العنب ليعمله خمرا حرم عليك بيعه، أو يشترى منك عنبا ليعصره ويعمله خمرا حرم عليك أن تبيعه؛ وذلك لأنه مساعدة له على المنكر، والله تعالى يقول: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

    وكذلك السلاح في فتنة بين المسلمين، إذا عرفت -مثلا- أنه يشتري منك هذا السيف ليقتل به مسلما، أو هذا الرصاص، أو البارود ليقاتل به المسلمين فحَرُم عليك أن تبيعه، وما ذاك إلا أنه يقتل به بريئا، فإذا بعته أعنته على منكر.

    وكذلك لا يجوز بيع عبد مسلم على كافر إذا لم يعتق عليه، أما إذا عتق عليه كأبيه، أو أخيه، أو ابنه فيصح، إذا أسلم عبد وكان سيده مسلما، فإنه لا يجوز أن يباع على كافر إلا إذا كان الكافر ممَّن يعتقه إذا اشتراه؛ لأن العبد إذا اشتراه أبوه عتق، أو اشتراه ابنه عتق، أو اشتراه أخوه أو عمه أو خاله يعتق عليه، فأما إذا كان لا يعتق عليه لكونه ابن عمه -مثلا- أو ابن خاله فلا يجوز بيعه عليه؛ وذلك لأن فيه إهانة للمسلم، قال الله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا إذا تولى عليه وهو مسلم، فلا بد أنه يؤذيه، ولا بد أنه يهينه ويمتهنه، ويشق عليه.

    يقول: " ولا يصح بيعه على بيع أخيه، وشراؤه على شرائه، وسومه على سومه" ورد في النهي قوله -صلى الله عليه وسلم-: لا يبيع بعضكم على بيع بعض لا يبيع المسلم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه وصورة ذلك: إذا رأيت جارك باع ثوبا بعشرة، أشرت إلى المشتري، وقلت: ردَّه وأن أبيعك مثله بتسعة؛ فيردَّه لأجل رخص الثمن، وكذلك لو رأيت جارك اشترى شاة، أو سمنا، وباعه ذلك المالك بمائةٍ -مثلا-، ثم إنك رغمته فأشرتَ إلى البائع، وقلت له: استرجع شاتك أو دهنك، وأن أشتريها منك بأكثر، أنا أدفع لك في الشاة مائتين، أو مائة وخمسين، وكذلك في الدهن ونحوه، حمله ذلك على أن استعاد تلك السلعة طمعا في هذا الثمن الذي زدته عليه، لا شك أن هذا فيه ضرر للمسلم، العلة في ذلك أنه يسبب العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأنك إذا أفسدت عليه صفقته حَقَد عليك، قد باع هذا الثوب بعشرة بيعا جازمًا، ولما باعه أشرت إلى المشتري، وقلت: إن أعطيك مثله بتسعة فخذ ثوبك، ورد عليه الدراهم، ولا يدري ما السبب، عرف أن السبب كونك أنت جاره، ومع ذلك أفسدت عليه هذا المشتري.

    وكذلك أيضا الشراء على شرائه عرض عليه ثمن، فاشتراه على شرائه عرض عليه سمن فاشتراه بمائة، وقبل أن يتفرقا دعوت صاحب السمن، وقلت: استرجعه السمن، وأن أعطيك مائة وعشرة؛ فاستعاده، لا شك أن هذا يعتبر أيضا يعتبر ضررا؛ لأنه قد جزم على الشراء، قد اشترى -مثلا- هذا السمن بمائة، فأنت أفسدت عليه العقد، وطالبته بمائة وزيادة؛ فتكون بذلك قد أبطلت عليه تجارته، أو أضررت به.

    والحاصل أن هذا أو ونحوه من جملة ما جاء الشرع لينهى عنه، يعني: الأشياء التي فيها ضرر للطرفين، والعلة في ذلك ما يسببه من العداوة والبغضاء، والحقد بين المسلمين، وإثارة الشحناء بأن يقول: فلان كلما اشتريتُ شيئا لمز صاحبه، وزاد علَيَّ، أو اشتراه من صاحبه بعدما اشتريته، كلما بعت على أحد الزبائن أشار إليه، واجتذبه إليه، فهو مضار بى، يحرص على أن يفعل كل ما يضرني، لا شك أن هذا مما جاءت الشريعة بالنهي عنه حتى يكون المسلمون إخوة متحابين في ذات الله.

    الشروط نقرأها غدا، ونكمل بعدها -إن شاء الله-.




    ---------------------------------------------------------------------------------





    الخيار




    الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: فصل: والشروط في البيع ضربان: صحيح: كشرط رهن، وتأجيل ثمن، وكشرط بائع نفعا معلوما في مبيع كسكنى الدار شهرا، أو مشترٍ نفع بائع كحمل حطب أو تكسيره، وإن جمع بين شرطين بطل البيع.

    وفاسد: يبطله، كشرط عقد آخر من قرض وغيره، أو ما يعلق البيع كبعتك إن جئتني بكذا، أو رضي زيد.

    وفاسد: لا يبطله، كشرط إلا خسارة، أو متى نفق، وإلا رده ونحو ذلك.

    وإن شرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ.

    فصل: والخيار سبعة أقسام:

    خيار مجلس، فالمتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما عُرْفا.

    وخيار شرط، وهو أن يشترطا أو أحدهما مدة معلومة.

    وحرم حيلة، ولم يصح البيع، وينتقل الملك فيهما لمشترٍ، لكن يحرم.

    ولا يصح تصرفٌ في مبيع وعوضه مدتهما إلا عتق مشتر مطلقا، وإلا تصرفه في مبيع، والخيار له.

    وخيار غبن يخرج عن العادة لنجش أو غيره، لا لاستعجال.

    وخيار تدليس بما يزيد به الثمن كتصرية وتسويد شعر جارية.

    وخيار غبن وعيب وتدليس على التراخي ما لم يوجد دليل رضا إلا في تصرية فثلاثة أيام.

    وخيار عيب ينقص قيمة المبيع كمرض وفقد عضو وزيادته.

    فإذا علم العيب خُيِّر بين إمساك مع أرش أو رد وأخذ ثمن.

    وإن تلف مبيع، أو أعتق ولده ونحوه تعين أرش، وإن تعيب أيضا خير فيه بين أخذ أرش ورد مع دفع أرش، ويأخذ ثمنه.

    وإن اختلفا عند من حدث فقول مشترٍ بيمينه.

    وخيار تخيير ثمن، فمتى بان أكثره أو أنه اشتراه مؤجلا، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع نصفه بقسطه، ولم يبين ذلك فلمشترٍ الخيار.

    وخيار لاختلاف المتبايعين، فإذا اختلفا في قدر ثمن أو أجرة، ولا بينة، أو لهما حلف بائع، ما بعته بكذا، وإنما بعته بكذا، ثم مشترٍ ما اشتريته بكذا، وإنما اشتريته بكذا، ولكل الفسخ إن لم يرض بقول الآخر، وبعد تلف يتحالفان، ويغرم مشتر قيمته.

    وإن اختلفا في أجل أو شرط و نحوه، فقول نافٍ، أو عين مبيع، أو قدره فقول بائع.

    ويثبت للخلف في الصفة، وتغير ما تقدمت رؤيته.

    فصل: ومن اشترى مكيلا ونحوه لزم بالعقد، ولم يصح تصرفه فيه قبل قبضه.

    ويحصل قبض ما بيع بكيل ونحوه بذلك مع حضور مشترٍ أو نائبه، ووعاؤه كيده، وصبرة ومنقول بنقل، وما يتناول بتناوله، وغيره بتخلية.

    والإقالة فسخ تسن للنادم.

    فصل: الربا نوعان.


    --------------------------------------------------------------------------------

    بدأ بالشروط، وجمعها شرط، وفي اللغة العلامة، ومنها قوله تعالى: فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا أي: علامات الساعة، وفي الاصطلاح عند الفقهاء، الشرط: إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة، ويتضح بالأمثلة التي تأتي -إن شاء الله-، وذكر أن الشروط في البيع نوعان: نوع صحيح، ونوع باطل، والباطل ينقسم إلى نوعين: نوع يبطل العقد، ونوع يبطل الشرط وحده، وذكروا أن الذي يصح ثلاثة أنواع:

    الأول: شرط مقتضى العقد.

    والثاني: شرط البائع.

    والثالث: شرط المشتري، فنعرف قبل ذلك أن الشروط الأصل أنه صحيحة، ودليل ذلك الحديث المشهور قوله -صلى الله عليه وسلم-: المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحلَّ حراما، أو حرَّم حلالا فدلَّ على أن الشروط كلها معتبرة إلا إذا خالفت الشرع.

    مثال: شرط مقتضى العقد، وهو لم يذكر هنا لو اشترط شرطا لا أهمية له، كأن يقول: اشتريتُ منك الثوب بشرط أن ألبسه، أو أهديه، أو لولدي، واشتريت منك الدابة بشرط أن أتمكن من حلبها، أو من ركوبها إذا كانت مركوبة، أو من ذبحها إذا كانت مما يؤكل، واشتريت منك الدار بشرط أن أسكنه، أو أُجَرِّه، أو أُسْكِنَ فيه أولادي، كل هذا لا حاجة إليه؛ لأنك إذا ملكته فلك التصرف، إذا ملكت الكتاب فلك أن تسجله، ولك أن تقرأ فيه، ولك أن تعيره لمن يقرأ فيه، ولك أن تبيعه، ولك أن تورثه من بعدك، فقد ملكته، وإذا اشتريت الثوب فقد ملكته؛ فلك أن تلبسه، ولك أن تكسوه أحد أولادك، أو من تريد، ولك أن تبيعه، أي: دخل في تصرفك.

    هذا النوع الأول يسمونه شرط مقتضى العقد؛ لأن العقد يقتضي ملكية المشتري للسلعة، ويقتضي ملكية البائع للعوض، الثمن الذي بذلته للبائع قد دخل في ملكه، هذه الدراهم ثمن هذا الثوب، أو الكيس قد ملكها، فله حرية التصرف كيف يشاء.

    أما من شروط البائع، فالبائع قد يكون محتاجا للسلعة، يقول: بعتك البيت بشرط أن أسكنه شهرًا، يعني: أنه بحاجة إلى سكناه هذه المدة، أو سنة -مثلا- فله ذلك، بعتك السيارة بشرط أن تبقى معي خمسة أيام، أنقل عليها رحلي، أو نحو ذلك، فهذا شرط له فيه مصلحة، إذا قال: بعتك الكتاب بشرط أن أستعيره منك لمدة خمسة أيام، أقرأ فيه أو نحو ذلك، فيشترط البائع منفعة في المبيع، وتكون تلك المنفعة مباحة، أما إذا كانت لا تباح فلا يجوز.

    فلو قال: بعتك الأَمَة بشرط أن تمكنني من وطئها شهرًا أو يوما لا يجوز؛ وذلك لأنها لما انتقلت من ملكه حرم عليه وطؤها كعتقها -مثلا-، وكذلك أيضا الشروط التي فيها شيء مما يدخل في الحرام، ومنه إذا قال: بعتك الشاة بشرط أن تقرضني مائة، فإنَّ هذا قرض جرَّ نفعًا؛ فيكون ربا لما ورد في بعض الأحاديث كل قرض جرَّ منفعةً فهو ربا فهذه الشروط باطلة.

    الشروط التي من قبل المشترى، إما صفة في المبيع، وإما خدمة من البائع، فالصفة مثالها أن يقول: اشتريت منك العبد بشرط أن يكون كاتبا، فإن هذه الصفقة تزيد في قيمته، والأمة بشرط أن تكون بكرا، والدابة بشرط أن تكون هملاجة، أو ذات لبن، فهذا ونحوه مما فيه مصلحة، مما فيه منفعة للمشتري؛ لأنها إذا فقدت ثبت له الخيار، فإذا اشترى الدابة ولم يجد فيه اللبن استحقَّ ردَّها، أو -مثلا- وجدها شرودا، وقد اشترط أن تكون هملاجة يعني: مذللة، فإن هذا أيضا يفوت عليه منفعة، وكذلك إذا اشترط صفة في المبيع له فيها منفعة، كذلك أيضا من الشروط التي للمشتري إذا اشترط على البائع خياطة الثوب أو تفصيله.

    اشتريت منك قطعة هذه القطعة القماش بشرط أن تُفَصِّلَها أو تخيطها، فإن هذا فيه مصلحة للمشتري.

    كذلك -أيضا- من الشروط التي للمشتري إذا اشترط على البائع خياطة الثوب، أو تفصيله، اشتريتُ منكَ هذه القطعةَ القماش بشرط أن تفصِّلها، أو بشرط أن تخيطها، فإن هذا فيه مصلحة للمشتري، اشتريت منك هذه الحزمة بشرط أن توصلها إلى المنزل، أو بشرط أن تُكَسِّر هذه الأعواد أو هذا الحطب، ذلك -أيضا- فيه مصلحة للمشتري.

    وهكذا إذا اشترط عليه حمل الكيس، اشتريتُ منك هذا الكيس بشرط أن تحمله إلى سيارتي، أو إلى بيتي، ولا شك أنه يزيد في الثمن مقابل أجرة إيصاله؛ وذلك لأن العادة أن هناك قيمتين قيمة الكيس، وأجرة إيصاله إلى المنزل، فمعلوم -مثلًا- أنك إذا اشتريت كيسين، كيس ستحمله أنتَ، والكيس الثاني سيحمله البائع معك إلى منزلك الذي يبعد -مثلًا- عن المستودع هذا يبعد عن -مثلًا- نصف كيلو، لا شك أنه سيزيد عليك الكيس الذي يحمله، ولكن يعتبر هذا شرطًا، يعني: اشترطت أن يحمله، والحاصل أن هذه شروط صحيحة.

    ثم قالوا: إن جَمَع بين شرطين بطل البيع، وقد أشكل هذا الأمر؛ لأنه ورد في الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن ربح ما لم يضمن وعن شرطين في بيع، لا شرطان في بيع فهذا الحديث أشَكل على كثير من العلماء، فتوقف كثير منهم، وتورعوا عن هذه الشروط، ورد -أيضا- حديث بلفظ نهى عن بيع وشرط، ومع ذلك الصحيح أنها تجوز الشروط التي من مصلحة البيع.

    وقد ثبت في الصحيح أن جابرًا باع جمله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، واشترط حملانه إلى المدينة أي: اشترط أن يحمل رحله، وهذا شرط في مصلحة البائع جابر، فهو دليل على جواز الشرط، أي: جنسها إذا كان فيها مصلحة، والشرع لا ينهى عن شيء فيه مصلحة، وليس فيه مضرة، فإذا جاءنا هذا الحديث: لا شرطان في بيع نلتمس له صورة تنطبق عليه، فيحمل على شرطين باطلين؛ وذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط

    ويراد بكتاب الله شرع الله، أي: كل شرط مخالف لشرع الله فهو باطل، فعلى هذا إذا قال: اشتريت منك الدابة بشرط أن تكون هملاجة ولبونًا فهل هذان شرطان؟ الصحيح أنه جائز، الهملاجة: المذللة، واللبون: ذات اللبن، والمعنى أنها يشترط فيها صفة فيها منفعة، صفة ينتفع بها هذا المشتري، فلا محظور من ذلك.

    وكذلك على الصحيح لو قال: اشتريت منك هذا القماش بشرطين: أن تفصله، وأن تخيطه، فهذا من مصلحة المشتري، ولا محظور في ذلك، خلافًا لما فهمه كثير من الفقهاء، وكذلك لو قال: اشتريت منك الحطب بشرط أن تحمله، ثم تكسره، فهذان -أيضا- من مصلحة المشتري؛ وذلك لأنه قد يشق عليه حمله وتكسيره، فله في ذلك مصلحة، ولا محظور في ذلك..

    فعلى هذا كيف يحمل حديث لا شرطان في بيع ؟ يحمل على أن المراد: الشرطان الفاسدان اللذان ينافيان مقتضى العقد، كأن يَشترط -مثلًا كما سيأتي- أن لا خسارة عليه، أو يشترط أن الولاء له، أو ما أشبه ذلك، شروط تنافي مقتضى العقد، يمكن أن يدخل في ذلك -أيضا- الشروط الربوية التي توقع في المحظور من الربا ونحوه.

    والحاصل أن هذا النوع، أو هذه الأنواع شروط صحيحة سواء كانت شروط مقتضى العقد، أو شروطا من البائع كسكنى الدار شهرًا، أو حملان البعير إلى موضع معين، أو من المشتري كحمل الحطب وتكسيره، وخياطة الثوب وتفصيله، وكذلك صفات المبيع ككون العبد كاتبًا، أو خصيًّا، أو مسلمًا، والأمة بِكرًا، والدابة هملاجة أو لبونًا، وهكذا الصفات في المبيع.

    أما الشروط الفاسدة فمنها: شروط تنافي مقتضى العقد، وهذه تفسد العقد، فإذا قال -مثلًا-: بعتك الكتاب بشرط ألا تقرأ فيه، ولا تبعه، ولا تُعِره، ولا تمكِّن أحدًا يقرأ فيه، ماذا أنتفع به، وما حاجتي فيه؟، بعتك البيت بشرط ألا تسكنه، ولا تؤجره، ولا تسبله، ولا تبعه، هذه شروط تفسد العقد، وهكذا بقية أنواع الانتفاع؛ لأنك -مثلا- ما اشتريت الثوب إلا لتلبسه، أو لتهبه، أو لتبيعه، فكيف يمنعك من ذلك ؟! ما اشتريت -مثلا- هذا الطعام إلا لتأكله، أو لتتصدق به، أو تطعمه ضيفك، أو أهلك، فكيف يشترط عليك منعك من ذلك؟ هذا ينافي مقتضى العقد.

    كذلك -أيضا- من الشروط ما يبطل الشرط، ويصح العقد، مثَّلوا بما ورد في الحديث أنه -عليه السلام- قال: كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، والولاء لمن أعتق ورد ذلك في قصة بريدة لما شرط أهلها أن الولاء لهم، وهم ما أعتقوها، الولاء لمن أعتق فإذا قال: بعتك العبد بشرط ألا تعتقه، ولا تستخدمه، ولا تبعه، أو بشرط أنك إذا أعتقته فلي الولاء، فمثل هذا شرط باطل، العقد صحيح والشرط باطل.

    وهكذا في الرهن لو قال: اشتريت منك -مثلا- هذه الأكياس، ورهنتك هذا السلاح بشرط أنك لا تبعه إذا حَلَّ الدَّيْن، أو قال -مثلا-: إذا حلَّ الدَّين، ولم توف فالسلاح لك، هذا كله شرط باطل، البيع صحيح، والشرط باطل، ماذا يفعل، يبيعه إذا جاء الدين، ويستوفي دينه من ثمنه، وبقية الثمن لصاحبه، ورد في الحديث لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه هذه أمثلة لهذه الشروط ما يصح منها، وما لا يصح.

    ننتقل بعد ذلك إلى باب الخيار، وهو في اللغة: التخيير بين شيئين، إذا قال -مثلا-: اختر هذا وهذا، عند الفقهاء طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الرد.؛ وذلك لأن البيع قد يقع في حال عجلة، في هذه الحال قد يندم المتعاقدان، فإذا ندم كان في إمكانه الرد، وإذا مضت المدة لم يتمكن من الرد؛ فلذلك شُرِع الخيار.

    ذكر أنه أقسام، ولكنه ذكره ثمانية:

    القسم الأول : خيار المجلس، أي: مكان موضع العقد، سواء كانا جالسين، أو واقفين، أو راكبين أو ماشيين، ما داما مجتمعين، فإن الخيار ثالثٌ لكل منهما، دليله قوله -صلى الله عليه وسلم-: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعًا، أو يخيِّر أحدهما صاحبَه، فإن خير أحدهما صاحبَه فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا فقد وجب البيع فسبب ذلك أنك -مثلا- قد تشترى السلعة، ثم يتبين لك أنها عندك، فتقول: لم يحصل تفرق، فخذ سلعتك، وردَّ دراهمي، أو -مثلا- تبيع السلعة، ثم يتبين أنك بحاجة إليها، فتقول: رد علَيَّ سلعتي، وخذ دراهمك، فإني لا أستغني عنها، فهذا سبب شرعية خيار المجلس، وهذا مما جاء به الشرع، ولم يكن معروفًا قبل الإسلام إلا أنهم كانوا إذا تبايعوا، وتعاقدوا، فإنه قد يندم أحدهما، ويطلب الإقالة.

    فالحاصل أن في هذا دليل على شرعية هذا النوع، وكذلك -مثلا- في كل عقد من العقود التي في معنى البيع، مثاله: إذا جئت -مثلا- بجنيه، وطلبت من الصيرفي تحويله إلى دراهم، فقال: أشتريه منك بخمسمائة وخمسين، ثم سَلَّم لك قيمة الجنيه، ثم تذكرت أن فلانا يشتريه بستمائة فندمت، وقلت: رد علَيَّ جنيهي، وخذ دراهمك، نحن لا نزال في المجلس، يلزم ذلك يرده عليك.

    وهكذا الإجارة لو استأجرت من المكتب دارا بعشرة آلاف لمدة سنة أو نصفها، وبعدما سلَّم لك المفاتيح قبل أن تتفرقا، وقد أعطيته الأجرة أو نصفها تذكرت أنك مغلوب، وأنه يوجد فلان أرخص منها، وأنها لا تساوي إلا ثمانية، ندمت، وقلت: رد علَيَّ دراهمي، وخذ مفاتيح دارك لا حاجة لي فيها، يصح ذلك، وهكذا -أيضا- العكس لو أن صاحب الجنية ندم، وقال: أنا اشتريت منك الجنيه بخمسمائة وخمسين، وأنا أعرف أنه غالٍ، لا أريده، رد علي دراهمي، أو أنا بحاجة إلى دراهمي، ولا حاجة لي بالجنيه.

    وكذا صاحب البيت إذا أجر بعشرة، ثم بعد ذلك تذكر أنه يساوي اثني عشر، فقال: ندمت لا أؤجره بهذا رد علَيَّ مفاتيحي، وخذ دراهمك، ندم بعدما تم العقد، يجوز ذلك، وهكذا يكون في السَّلَم، وهكذا -أيضا- في الشركات، وهكذا في الصلح الذي هو بمعنى البيع، وما أشبهها، هذا النوع خيار المجلس متى يحصل لزوم البيع؟

    بالتفرق أي: بالأبدان، أي: أن يتفرقا، فإذا اشترى -مثلا- كيسا، وحمله على سيارته، ثم ركب سيارته، ومشى -مثلا- عشرة أمتار، ثم ندم، ورجع، وقال: خذ كيسك، لزم البيع، لا يتمكن؛ وذلك لأنه حصل التفرق، وكذلك لو ندم البائع بعدما ركب المشتري سيارته، ومشى عشرة أمتار أو نحوها ندم البائع، وأدركه أو اتصل به هاتفيًا، وقال: ندمتُ رد علَيَّ أكياسي لا يستطيع، وجب البيع.

    إذن: التفرق هو التفرق بالأبدان، هذا هو الصحيح، ثم خالف في ذلك المالكية والأحناف، وتكلفوا في رد هذا الحديث، فالإمام مالك رده بأنه مخالف لعمل أهل المدينة، وقال: لا أعرف أحدًا يعمل به في المدينة، وفي مشائخنا، وقد خالفه كثير من العلماء في زمانه وبعده، وذكر ابن أبي ذئب أنه حديث مشهور، وأنه معروف موثوق معمول به في البلد، وابن أبي ذئب من علماء قريش من أهل مدينة، فعرف بذلك أن هذا الدليل كونه مخالفا لعمل أهل المدينة غير صحيح.

    كذلك أتباع مالك الذين قلَّدوه، وتمسَّكوا أنه ليس هناك خيار مجلس، تكلفوا في صرف الحديث عن ظاهره، فقالوا: المراد بالتفرق التفرُّق بالأقول، ولا شك أن هذا خلاف الواقع؛ وذلك لأنهما قبل الأقوال لا يسميان متبايعين، الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "البيعان" فقبل أن يقول: بعني، وقبل أن يقول: بعتك هل يسميان بيعان؟ فهذا صرف للنص عن ظاهره، كذلك -أيضا- يقال: أعذارهم عن هذا الحديث غير سديدة، ولا عذر عن العمل بهذا الحديث.

    أما القسم الثاني من أقسام الخيار: خيار الشرط، إذا اشترط لهما، أو لأحدهما مدة معلومة ولو طويلة، فإنه لازم، ولا بد من تحديد المدة، فيقول -مثلا-: اشتريت السيارة بعشرين ألفا، ولي الخيار، أستشير مدة يوم أو يومين أو أسبوع، اشتريت منك البيت، ولي الخيار مدة شهر أبحث عن جيرانه -مثلا-، وأبحث عن صفاته الخفية، عن أسسه -مثلا-، وعما فيه من عيوب، فلي الخيار هذه المدة، إن شهرا -مثلا- أو نحوه، يصح ذلك، لا بد أن يحدد فيقول: شهرا هلاليا، أو أسبوعًا.

    وكذلك -أيضا- قد يكون البائع هو الذي يشترط، بعتك الدار، ولي الخيار شهرًا، أبحث هل أجد سكنًا بثمنها أم لا؟ فيكون له الخيار مدة شهر أو أسبوع… يسمى هذا خيار الشرط، يصح لكل واحد منهما، فيقول -مثلا-: بعتك السيارة بعشرين ألفا، ولي الخيار لمدة أسبوع، فيقول: اشتريتها، ولي الخيار مدة عشرة أيام، في هذه الحال لو ندم البائع، والمشتري يريدها، فإنها ترد، لو ندم المشتري، والبائع يريد التنفيذ، فإنها ترد، من ندم منهما، وطلب فسخ البيع، فإنه يستحق ذلك، ثم يصح في البيع.

    ويصح في الصلح الذي هو بمعنى البيع، ويصح في السلم وفي الإجارة: إذا قلت -مثلا-: استأجرت منك هذه الدابة، ولي الخيار يومًا أو أسبوعًا جاز ذلك، فإن ندمت في هذه المدة، وإلا لزم العقد -عقد الإجارة-، في هذه المدة -مدة الأسبوع- ونحوها المِلْك للمشتري، ومع ذلك لا يتصرفان في هذا المبيع، لا يتصرف المشتري ولا يتصرف البائع، يمكن أن يجوز للبائع إذا شرط أن يسكنها له ذلك مع أن له الخيار، ويمكن أن للمشتري يتصرف، فيركب السيارة -مثلا- للتأكد من سلامتها، ولمعرفة سرعتها، أو لمعرفة ما تحمله، أو -مثلا- يجرب الدابة إذا كانت مركوبة، يجربها ماذا تحمل؟ ويجرب لبنها ماذا يكون؟ هل فيها لبن كثير أم لا؟

    يصح ذلك، له أن يلبس الثوب ليقيسه أو ما أشبه ذلك، في هذه المدة لو انهدمت الدار، فإنها من ضمان المشتري؛ لأنه الذي اشتراها في هذه المدة، وأجرتها في هذه الأيام إذا كانت تؤجر يومًا فإنها للمشتري، البائع قبض الثمن فلو جعله في سلع، وربح فيها في هذين اليومين أو في هذا الأسبوع، فالربح للبائع في هذا الثمن؛ لأنه قبض على أنه مِلك له، فالمِلك في العين للمشتري وله أجرتها، ولو -مثلا- ولدت الشاة التي فيها خيار، فإن الولد يكون للمشتري ويدفعها في البيع، وله أن يحلبها -مثلا- في هذه المدة؛ لأنه يعلفها، والخراج بالضمان... إلى آخر ما يتعلق بذلك.

    أما النوع الثالث من أنواع الخيار وهو خيار الغَبْن ، الغَبْن يمكن أن يكون له ثلاثة أسباب:

    أولًا : تلقي الركبان فيشتري منهم ويغلبهم، لهم الخيار، إذا نزلوا إلى الأسواق، فرأوا أنه قد غبنهم.

    والثاني: الجهل بالسلع يأتي -مثلا- إلى صاحب الدكان، فيقول: بكم هذا الثوب؟ بكم تبيعه؟ فيقول: كم تبذل؟ فيقول: عشرة. فيقول: لا أبيعك. فيقول: أحد عشرة. فيقول: لا. فيقول: اثنا عشرة. فيقول: لا، ولا يزال يزيده، يعتقد أنه صادق، ماذا يسمى هذا؟ المسترسل الذي لا يحسن أن يماكس، ومنه -أيضا- لو زاد عليه البائع، بعض الباعة يعتقد أن كل واحد يماكس، فإذا جاءه الجاهل قال: السلعة بعشرين، الثوب -مثلا-، هذا القائل يشتري منه بعشرين، ولا يماكسه، ولا يراجعه، ثم يتبين أنه باع الذي قبله بأحد عشر، أو باثني عشر، أو بخمسة عشر، فيقول: زاد علي الربع أو الثلث فلي الخيار.

    الصورة الثالثة: زيادة الناجش إذا عرض -مثلا- السيارة للبيع بالمزاد العلني، وإنسان يرغبها، فجاء إنسان لا يريد شراءها، ولكن يريد نفع البائع، وجعله يزيد عليك، كلما قلت -مثلا-: عشرة آلاف، قال: بأحد عشرة. فإذا قلت: باثني عشر. قال: بثلاثة عشر. فإذا قلت: بأربعة عشر. قال: أنا أشتريها بخمسة عشر، وهو لا يريدها، وإنما يريد زيادة الثمن لنفع البائع، فإذا تبين للمشتري أنه غبن، وأن سبب الغبن زيادة هذا الناجش، فإن له الخيار، ويقول: عرفت أنها لا تساوي هذا، وإنما ظننت أن هذا الذي يزيد صادق، وأنه عازم على شرائها، وتبين لي أنه ما أراد إلا إغرائي، ونفع البائع.

    هذه ثلاث صور، يعني: تلقي الركبان، زيادة المسترسل، وزيادة الناجش، هذا هو الغبن، يمكن أن يكون هناك غبن يسير، إذا كان الغبن -مثلا- 5%، أو 4%، وما أشبه ذلك بتسامح في مثل هذا، أما إذا كان الغبن الثلث، أو الربع، أو شيئا كثيرا -مثلا- لا يتسامح فيه، يعني: ألف -مثلا- في السيارة، وهي لا تساوي -مثلا- إلا أربعة آلاف، فزاد بألف، أو ما أشبه ذلك، لا شك أن هذا كله مما ينافي المصلحة، ومما ينافي النصيحة، الواجب أن البائع ينصح للمشتري، ينصح للمشترين، ويبين لهم الحقائق، ولا يغلبهم.

    كثير من الباعة يأخذون أموالًا لا تحل لهم بهذا، الواجب أنه يبيع على هذا، وهذا سواء، يأتيه -مثلا- العارف بالسلع، فيقول: له بكم هذه العمامة؟ يعرف أنه عارف، فيقول له: بعشرين ما يزيد عليه، ثم يأتيه الجاهل فيقول: بكم هذه العمامة؟ فيقول: بأربعين. فيقول: أسقط عني، فيقول: أسقط عنك خمسة، وإذا رآه -مثلا- ** قال: أسقط عنك أو عشرة، فيبيعها بثلاثين، يبيعها هذا للحاذق العارف بعشرين، وهذا الآخر بثلاثين، فيكون قد أضرَّ بهذا الجاهل، الواجب أن يسوي بينهما، وأن ينصح لهذا الجاهل، وهكذا يكون في جميع السلع.

    أما النوع الرابع: خيار التدليس، التدليس هو إظهار السلعة بمظهرٍ غير ما هي عليه، مثَّلوا بثلاث: كتصفيف شعر الجارية وتجعيدها، وجمع ماء الرحا، وإرساله عن عرضها، ومثلوا -أيضا- بالمصراة التي جمع لبنها في ضرعها يسمى هذا تدليسا، وهذا يعتبر غشًا إذا أظهر السلعة بمظهر حسن، وباطنها غير حسن، يحدث هذا كثيرًا، ويسمى غشًّا، داخل في الغش.

    فثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر على بائع طعام -بر- فأدخل يده، فأصابت بللًا، ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابتها السماء. -يعني: المطر- قال: هلا جعلته أعلاه كي يراه الناس؟ من غشنا فليس منا اعتبر هذا غشًّا، يعني: كان عليه أن يجعل العيب ظاهرًا، أما إذا كان المتندي باطنا، فإذا جاء يكيل أدخل الصاع حتى يأخذ من ذلك الرطب، ويجعله في المكيال، ولا يتبطن فيه اعتبر هذا غشًّا وتدليسًا.

    وكذلك -مثلا- إذا جعل أعلى الزنبيل شيئا جيدا من القهوة -مثلا- أو من الهيل، وأسفله رديء، فإنه يعتبر هذا -أيضا- غشا؛ لأنه إذا جاءه الجاهل أخذ له من الأسفل ليخلطه ويلتبس عليه.

    كذلك -مثلا- بائع اللحم الذي يبيع بالوزن، إذا أظهر اللحم الأحمر أمام المشتري، وأخفى عنه العظم، أو العصب، وإذا جاء ليزن أخذه، وجعل هذا من أسفل، لا شك أن هذا يعتبر -أيضا- تدليسًا، وكل هذا واقع كثيرًا.

    مررت مرة بالذين يبيعون الأعلاف، وإذا عندهم أعلاف قد بقيت خمسة أيام، وقد يبس أعلاها، أمَّا وسُطها فإنه لا يزال نديًّا، فإذا هو يحل الخيط عنها، ثم يأخذ اليابس الذابل، ويجعله في الوسط، ثم يجعل الشيء الندي الذي لا يزال رطبًا نيئًا من الأعلى، فنصحته وقلت له: هذا غش. فقال: ما هذا غش، هذا أمام البائع وأمام المشتري، يقول: فقلت: فإن المشتري لا ينظر إلا إلى هذا الظاهر، ويعتقد أنه جميعًا سواء، فقال: هذا كله أمامك، ثم قال: إن -مثلا- هذا **المشكل عليك إذا تحسس أسفله، فإنك تفك خياطته التي في الوسط، وتجعل الأسفل في الوسط أليس هذا غشا؟ فقلت: ليس كذلك؛ ذلك لأنه الرطب الذي يشتري لا بد أنه يقلبه، فيعرف أنه رد أسفله إلى أعلاه بخلاف هذا.

    فالحاصل ينتبه لمثل هؤلاء، يبيعون الفواكه -مثلا- كالطماطم، فيجعلون الأعلى صالحًا، وكذلك الذين يبيعون التفاح أو نحوه يجعلون أعلاه صالحًا، وأسفله رديئًا إذا كان في أسطال أو في كراتين، هكذا باعة الرطب وما أشبهها، لا شك أن هذا داخل في الغش، فإذا عثر على ذلك، فإن له الخيار، إذا تبين أنه قد دلَّس عليه، فإن له الخيار.

    الفقهاء مثلوا بتسويد شعر الجارية إذا كان يبيع جارية، يعني: أمَة قد ابيض شعرها من الكبر، فيسوده حتى يتوهم من يشتريها أنها شابة، هذا -أيضا- غش، أو يجعده، والتجعيد هو أن تعالج كل شعرة إلى أن تنعقد على أصلها، الشعر الجعد هو المتعقد، يوهم أنها شابة أو نحو ذلك.

    كذلك جمع ماء الرحا وإرساله عند عرضها، الرحى قديما: حجر يركب على حجر، ويجعل القمح في وسطه حتى تدور وتطحنه، الذي يدور بها هو الماء، يجعلون في هذه الرحى خروق، خرق هذا فيه خشبة في لوح، وخرق أمامها لخشبة في اللوح وهكذا، وهذه الألواح لها أطراف في وسط الماء، الماء الذي يمر مع هذا المجرى، يعني: مع الساقي يمر فيرفع هذا اللوح، فإذا دفعه شيئًا استدارت الرحى شبر كذا شبر، ثم جاء اللوح الذي بعده، فيدفعه الماء، فاستدارت كذا شبر إلى أن تستدير، فإذا كان جر الماء جيدا، فإن استدارتها تكون بسرعة، تدور بسرعة، فيجمعون الماء -مثلا- في خزان، ثم إذا عرضوها للبيع أطلقوا الماء بقوة، فإذا رآها المشتري، وجدها تدور بسرعة، فيزيد في الثمن، يعتقد أن هذه عادتها، وهكذا مثلوا بهذه الأمثلة، على كل حال لا شك أن هذا كله غش، وأن الغش كثيرًا، أنواعه متكاثرة.

    النوع الخامس، القسم الخامس من أقسام الخيار هو خيار العيب: تعريفه: ما ينقص قيمة المبيع كمرض وفَقْدِ عضو وزيادته، هكذا يمثلون، والأمر أهم من ذلك.

    العيب: هو ما ينقص قيمة المبيع، فإذا -مثلا- اشترى الثوب، وبعد ما اشتراه وجد فيه خرقًا أو خروقًا استحق الرد؛ لأن هذا عيب، وكذلك إذا اشترى الكيس ثم وجد فيه دابة -مثلا- قد أفسدته، أو وجد فيه أخلاطا من شعير أو نحوه، اعتبر هذا عيب فله رده، أو اشترى بعيرًا، ووجده أعور، أو وجده مريضًا.

    كذلك -مثلا- إذا اشترى شاة ووجدها مصراة، أو قد حبس لبنها في ضرعها يومين، أو ثلاثة أيام إلا أن المصراة ورد أن الخيار فيها ثلاثة أيام، وأنه إذا ردها يرد معها صاعين طعام، من تمر أو نحوه عوضًا عن اللبن الذي كان فيها وقت شرائه لها.

    فأما إذا كانت مريضة، فإن له الخيار، أو عوراء -مثلا-، أو عرجاء، فإن له الخيار، ها هنا الخيار للمشتري، فإذا وجد في البيت تصدعًا في الحيطان اعتبر هذا عيبًا، وإذا وجد الأرض سبخة، وهو يعتقد أنها طيبية قال: لا تصلح للغرس ولا للزرع اعتبر هذا عيبًا فله أن يردها، هكذا جميع العيوب إذا وجد -مثلا- في الإناء خروقًا، أو وجده متكسرًا، فإن هذا -أيضا- عيب فله أن يرده، فالحاصل أن العيب ما ينقص قيمة المبيع، في هذا النوع -خيار العيب- عرفنا أمثلة.

    وذهب بعضهم إلى أن الخيار على التراخي، ولعل الأقرب أنه على الفور، إذا علم المشتري بالعيب، فله الخيار بين أمرين: أن يقبض الأرش، أو يرد المبيع، الأرش: هو قيمة ما بين الصحة والعيب، قيمة ما بين صحيح ومعيب، فيقول -مثلا-: أنا اشتريت الشاة بمائة، وذبحتها لأضيافي، وتبين أن فيها عيبا، مريضة أو نحو ذلك، والآن فاتت كم مائة تساوي وفيها ذلك المرض؟ قال: تساوي ثمانين ريالًا، وأنا اشتريتها بمائة، والفرق الخمس، يرد عليه الخمس.

    وهكذا لو ماتت عند المشتري، وتبين أن موتها بسبب المرض، فيقال: كم قيمتها مريضة؟ وكم قيمتها سليمة؟ فينظر الفرق فيدفعه البائع للمشتري، وهكذا لو أمسكه، لو قال -مثلا-: إنى لبست الثوب، وقد استعملته فوجدت فيه خروقًا أو تمزقًا، والآن قد لبسته، كم قيمته صحيحًا؟ قيمته عشرون، كم قيمته بهذه العيوب؟ بخمسة عشر، الفرق بينهما الربع يسمى هذا الأرش، قسط ما بين قيمة الصحة والعيب.

    ولا يجوز في هذه الحالة أن يستعمله، وقد عزم على رده، إذا عزم على رده، فإنه يوقف استعماله، فيخلعه إذا كان ملبوسًا، ويوقفه إذا كان -مثلا- مستعملًا،وكان مركوبا، أو كان مشروبا، أو ما أشبه ذلك، وإذا كان قد أكل من الكيس:مثلا- فإنه يتوقف ويقدر ما أكله، ويقول: أكلت منه ربعه أو ثلثه أو ما أشبه ذلك، ولا أريد الباقي، خذه -أيها البائع- لأنك خدعتني فله أن يرده، ويأخذ الثمن، أو يمسكه ويأخذ الأرش.

    وهنا يحصل الاختلاف إذا قال -مثلا- البائع: هذا العيب حصل عندك، أنت الذي خرقت الثوب، أو أنت الذي كسرت الزجاج -مثلا- أو تصدع عندك، أو هذه الدابة ما عرجت إلا عندك، وما فقئت عينها إلا عندك، والمشتري يقول: بل هذا قديم، بل هو قبل أن أشتريها، في هذه الحال الحكم هو أنه يحلف المشتري أنه اشتراها وفيها هذا العيب؛ يقولون: لأن الأصل أن العيب يكون قديمًا، ويحلف المشتري أني اشتريتها وفيها هذا المرض، أو فيها هذا التكسر، أو في الجدار هذا التصدع، فثم حينئذ له أن يرده، وله أن يأخذ الأرش، وإذا -مثلا- تلفت العين، فإنها من ضمان المشتري، ويرد البائع عليه القسط الذي بين الصحة والعيب، يعني: الأرش، أرش العيب.

    كذلك إذا وجدت قرينة تدل على أن العيب عند أحدهما عمل بها، فإذا كان الجرح يسيل عرف بأنه حدث عند المشتري، وإذا كان -مثلا- بياض في العين عرف أنه عند البائع، وإذا وجدت بينة لأحدهما عمل بها، سواء تشهد بأنه قديم، أو أنه حادث عمل بالبينة، ولا يستعمل اليمين إلا عند عدم البينة، والملك في هذه الحال للمشتري إلا أنه إذا عزم على الرد، فإنه يتوقف عن استعمالها -كما ذكرنا-.

    بقية الأقسام، بقي عندنا خيار التقدير، وخيار الاختلاف، وكذلك -أيضا- ما يحتاج إلى حق توفيه نؤجلها، ونستمع إلى بعض الأسئلة.

    أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، إن رأى فضيلتكم -جزاك الله خيرًا- مراعاة لأحوال بعض الأئمة أن يتوقف عن الشرح بعد الآذان مباشرة، ثم يقضي بقية الوقت للأسئلة.

    س: هذا سائل يقول: فضيلة الشيخ، ما حكم ما يتعامل به بعض شركات الألبان وغيرها يجعلون البضاعة عند صاحب التموينات فما باعه فله الربح، وما انتهت مدة صلاحيته تسترجع الشركة ما فسد من البضاعة ؟.

    ج: لا بأس بذلك، يجعلوه عنده كأنهم يقولون: إنه وديعة عندك الذي تبيعه هو لك، ونأخذ ثمنه، والذى لا تبيعة يبقى عندك بدون أن تمضي مدته يعتبر كأنه وديعة.

    س: وهذا يقول: ما حكم تأجير السيارة الذي ينتهي بالتمليك؟ وكيف ينطبق ذلك على حديث لا شرطان في بيع ؟.

    ج: يذكر أن حديث لا شرطان في بيع له عدة محامل، ومع ذلك فإنه قد عمل بظاهره كثير من العلماء حتى أن بعضهم توقف فيما إذا شرط البائع شرطًا، وشرط المشتري شرطًا، فقال: ظاهر الحديث يدخل فيه لا شرطان في البيع ومع ذلك هذه المسألة قد كثر السؤال عنها، الشركات الآن وقعوا في هذا النوع، وأنهم قالوا: نبيعك السيارة -مثلا- بسبعين ألف، تؤدِ إلينا كل شهر ثلاثة آلاف، وإذا انتهت هذه المدة، وأديت السبعين ألف سلمنا لك وثائق السيارة، وقبل ذلك تكون لنا كأنها ملك لنا، وإذا عجزت عن التسليم، أو تركت شيئًا من الأقساط، فإننا ننتزع منك السيارة، وتكون الأقساط التي وصلت إلينا كأجرة عن استعمالك لها، يعبر عن ذلك بأنه تأجير ينتهى بالتمليك.

    وسبب ذلك أنهم جربوا أن كثيرًا من الذين يشترون لا يسدِّدون الأقساط في حينها، بل يتراكم عليهم أقساط وتتأخر، فاضطروا إلى أن يأخذوا السيارة، ويقولون: ما وصل إلينا فإنه أجرة عما مضى، وأتوقف إلى الآن، أما لجنة الإفتاء فما أصدروا فيها فتوى صارمة، ولكنهم يفتون أن هذا لا يجوز، يفتون عليه فتاوى شفهية، ويعللون بأنه لا يصدق عليه أنه أجرة ولا أنه بيع.

    نحن نقول: إذا كنت محتاجًا إلى شراء هذه السيارة، فإنك تشتريها شراء صحيحًا، وتقول لهم: هي رهنكم، فإنه يجوز رهن المبيع على ثمنه وغيره، وإذا كانت رهنا لهم، وحلت أقساطهم ولم تفِ فإنهم يبيعونها، ويأخذون بقية أقساطهم، ويردون عليك الباقي، فإن الرهن باقٍ على ملك الراهن لقوله في الحديث: لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه، وعليه غرمه هذا هو الذي يتمشى عليه الأمر أنه يشتريها، ويجعلها رهنا لهم.

    س: أحسن الله إليكم، ما معنى قول المؤلف: "وإن تعيب -أيضا- خُيِّر فيه بين أخذ أرش، ورد مع دفع أرش وأخذ ثمنها"؟.

    ج: هو يقول في خيار العيب: إذا عتق العبد أو تلف فإنه من ضمان المشتري، وإن زاد فيه عيب يعني: كان فيه -مثلا- عيب واحد، ثم أضيف إليه عيب آخر فتحققنا أن فيه عند البائع، وعيب جديد عند المشتري، ففى هذه الحالة ليس له إلا الأرش، أرش العيب القديم، وأما العيب الذي حدث عنده فإنه من فعله، لكن لو اختار المشتري أن يرده، ويدفع أرش العيب الذي حدث عنده وقبل ذلك البائع فله ذلك.

    س: أحسن الله إليكم، يقول: اشتريت خروفا من بائع أغنام، ولما ذهبت إلى المسلخ وذبحتها وجدت بها مرضًا، وصادرتها إدارة المسلخ، وأعطيت ورقة تفيد بمرضها إلى البائع، فلما ذهبت إلى البائع وأخبرته وأعطيته الورقة قال: تكون قيمتها بينى وبينك، نصفها علي، ونصفها عليك، فما حكم ذلك؟.

    ج: إذا كانت لا تصلح للأكل فله ذلك، له الثمن كله، لكن يمكن أنها تصلح لغير الأكل، فالحاصل أنه في هذه الحال ربما أنه ذبحها ووجد أنها لا تصلح للأكل، وأنها مريضة، وأن من أكل منها تسمم أو مرض، وصادرتها البلدية، فالصحيح أنه يرجع بالثمن.

    س: أحسن الله إليكم، في بعض الأحيان نشتري الكتب، وبعد ذلك نجد بعض الورقات بيضاء، ويمتنع البائع من استبدال الكتاب، فما حكم ذلك؟.

    ج: لا شك أن هذا عيب، وأن عليه أن يقبلها ويبدلها بغيرها من السليم، أو عليه أن يدفع الأرش عن تلك الأوراق البيضاء.

    س: يقول: هل يقوم الشيك مقام النقد في القبض والصرف؟.

    ج: هذا فيه خلاف، ورجحت هيئة كبار العلماء أن ذلك جائز، وعقَّب عليه أكثر المشايخ؛ وذلك لأن الدراهم تعتبر أوراقا، والشيك -أيضا- يعتبر ورقا، ولو كان الشيك لا يصلح إلا عند البنك، والأوراق تصلح عند جميع البقالات والناس، ولكن لما كان يعتبر وثيقة مأمونة حصل بها القبض.

    س: أحسن الله إليكم، يقول: إذا تمت المبايعة عن طريق الهاتف، ثم وضع كل من البائع والمشتري السماعة، وندم أحدهما، فهل يجوز له الرد؟.

    ج: لا شك أن هذا شيء جديد، ما تكلم عليه العلماء قديمًا، البيع بالهاتف، والقواعد تقتضي أنه يحصل لزوم البيع بانتهاء المكالمة، بأن يضع كل منهما السماعة من يده بحيث يحصلُ التفرُّق بحيث إنه لو تكلم بعد ذلك من وجهته ما سمعه فينقطع الخيار.

    س: أحسن الله إليكم، يقول: إذا أردت بيع سيارة بها عيب، ولم أرد إخبار المشتري بذلك من باب إتمام البيع، فما الحكم مع العلم أني طلبت منه فحص السيارة؟

    ج: وهذا يعتبر -أيضا- غشًا، مر بنا جملة نسينا أن نتكلم فيها في آخر الشروط، وهو قوله في ضمان المجهول أنه لا يصح:"إن شرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ" صورةُ ذلك أن يقول: أشتري السيارة، وإذا كان فيها عيب أو عيوب فلا تلحقني بشيء، أنا بريء من هذه السيارة والعيوب التي فيها، هي أمامك افحصها، ولا تطالبني بشيء مما فيها، هذا معنى شرط البراءة من كل عيب مجهول لم يبرأ، فلا بد أن يوقفه على العيوب التي يعرفه فيها، فيقول: أعرف فيها -مثلا- هذا العيب في العجلات، وهذا العيب في الماكينة، وهذا العيب في كذا، هذا هو الذي أعرف، وإذا كان فيها شيء لا نعرفه، فلا تسألني عما لا أعرف.

    فأما إذا علم -مثلا- أن في الماكينة عيبا، فقال: تشتريها على أنها معيبة في الماكينة، ومعيبة في مقدمها، ومعيبة ذيلها، ومعيبة في عجلاتها، ومعيبة في كذا وكذا، وأخذ يعدد، المشتري يعرف أنها ليست كذلك، أنها -ظاهرًا- سليمة، ويعتقد أنها سليمة فيزيد في الثمن، فهذا -أيضا- خيانة، كالذى -مثلا- يعرض شاة فيقول: اشتري هذه الشاة على أنها عوراء وعرجاء ومريضة بمرض كذا، ومريضة بجربٍ، ومريضة بكذا وكذا، يعدد عشرين عيبًا، والمشتري يعلم أنها ليست كلها فيها، والبائع يعرف أن فيها واحدًا من هذه العيوب، فأخفاها عن المشتري يعتبر هذا -أيضا- غشًّا، يستحق أن يردها بذلك العيب.

    واجب على البائع أن يخبر بالعيوب التي يعرفها، وأما العيوب التي لا يعرفها فيتنصل منها، ويقول: إن كان فيها شيء فلا أعرفه، فإذا أقدم على ذلك العيب فليس له الرد به، وإذا وجدت عيوب أخرى فله الرد بها، إذا كنت تعرف بها عيوبًا فلا بد أن تخبره، ولو لم يسألك.

    س: أحسن الله إليكم، يقول: بالنسبة لخيار الشرط إذا رجع المشتري في بيعه تبعًا للشرط، فهل يقدم للبائع مقابل ما استفاد به من السلعة كما لو استخدم السيارة شهرًا؟.

    ج: ذكروا أنه لا يجوز في حالة الشرط أن ينتفع بها أحد منهما -مثلا-، لا يجوز ذلك أن تلبس الثوب، وقد اشترطت الخيار، ولا أن تركب السيارة، وقد اشترطت الخيار، بل لا تستعملها إلا بعد أن تجزم بالشراء، فإذا تصرف المشتري، فإن ذلك دليل على الرضا، فتصرف المشتري يسقط خياره، فإذا تصرف فيها، ثم ردها فللبائع أن يطالبه بذلك، فيقول: أنت سودت القِدر -مثلا-، أو أنت دنست الثوب للبسك له -مثلا-، أو الكتاب بقراءتك فيه -مثلا-، ثم رددته فأعطني أجرته، أو أعطني عوض ما حصل فيه.

    س: أحسن الله إليكم، توجد بعض العبارات عند الباعة مثل: قولهم البضاعة التي تباع لا ترد؟.

    ج: على المشتري أن يقبلها، وأن يتفقدها تفقدًا تامًا قبل أن يجزم بالشراء، وإذا فحصها ووجدها سليمة أقدم على ذلك، فليس له بعد ذلك أن يردها وقد اشترط عليه؛ لأنه أقدم على الشراء مع علمه بأنها معيبة -مثلا-، ورأى ما فيها من العيوب أو نحوها، لكن قد يقال في خيار الغبن: أنه إذا غُبن غبنًا يخرج عن العادة، فإن له أن يرد إذا كان ذلك مما لا يتسامح فيه.

    س: أحسن الله إليكم، فضيلة الشيخ يقول: هل يجوز أن أشتري سلعًا من أسواق أمريكا -مثلا- بواسطة الإنترنت، وأن أبيعها في أسواق اليابان -مثلا- بواسطة هذه الشبكة، وأنا في بيتى لم أسافر، ولم أذهب، فإذا كانت الإجابة بعدم الجواز فما هي المحاذير في مثل هذا البيع؟ وما نصيحتكم فيما قد فعل مثل هذا الفعل؟.

    ج: لا شك أن هذا يحدث كثيرًا، وفيه نهي، وأنه -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يعود التجار إلى رحالهم، ويأتينا في الفصل الذي بعد الخيار ما يحصل به القبض، يحصل القبض بما بيع بالكيل، وما بيع بالوزن وزنًا.. إلى آخره، فنقول: إذا اشتريت السيارة -مثلا- بواسطة الهاتف أو نحوه في دولة، فلا بد أن توكِّل مَن يستلم هذه السيارات ويحجزها، ولا يجوز لك أن تبيعها لا على قريب، أو بعيد حتى تحجز لك وتحاز على جانب.

    وكذلك -أيضا- لو اشتريتها بالهاتف في معرض من المعارض في الرياض، فلا تبعها حتى ترسل من يستلمها، من يستلم مفاتيحها، ثم ينقلها من مكان إلى مكان، هذا هو الذي جاء به الشرع، وسبب ذلك أن تدخل في الملكية؛ لأنها قبل ذلك ليست في ملكيتك، بحيث أنها لو تلفت لتلفت على البائع بخلاف ما إذا قبضت، فجعل الفاصل بين انتقالها من البائع للمشتري حيازتها، فقبل الحيازة إذا تلفت فعلى البائع، أو رخصت فعلى البائع، أو غليت فعلى البائع، وبعد الحيازة تدخل في ملك المشتري فله غنمها وعليه غرمها.

    س: السؤال الأخير: هذا طلب من أحد الإخوة يقول: أحس برغبة شديدة في طلب العلم، والحضور لدراسة دروس هذه الدورة، ثم أحس بفتور شيئًا فشيئًا حتى أقلع عن الحضور، فما نصيحتكم لي جزاكم الله خيرًا؟.

    ج: لا شك أن الرغبات تتفاوت، وننصحك بأن تواصل في هذه الحلقات، وأن تستمر فيها؛ لأنك تحصل على خير كثير، تحصل على فوائد، وتحصل على علوم، وكذلك تحصل على أجر، تذكر الحديث من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة تذكر قوله في الحديث: إن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع ننصحك بالمواصلة، وإذا أحسست -مثلا- في نفسك بشيء من الكسل أو التثاقل عليك أن تعزم وأن تجزم على المواصلة، وتبتعد عما يعوقك عن ذلك، وتستعيذ بالله -تعالى-، والله المعين، والله أعلم، وصلى الله على محمد.











    ----------------------------------------------------------------------------------------------





    رباء الفضل






    ربا الفضل
    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال رحمه الله -تعالى-: فصل: الربا نوعان: ربا فضل، وربا نسيئة.

    فربا الفضل يحرم في كل مكيل وموزون بيع بجنسه متفاضلا ولو يسيرا لا يتأتَّى، ويصح به متساويا، وبغيره مطلقا بشرط قبض قبل تفرُّق، لا مكيل بجنسه وزنا ولا عكسه إلا إذا علم تساويهما في المعيار الشرعى.

    وربا النسيئة: يحرم فيما اتفق في علة ربا فضل كمكيل بمكيل، وموزون بموزون نساءً، إلا أن يكون الثمن أحد النقدين فيصح.

    ويجوز بيع مكيل بموزون، وعكسه مطلقا،وصرف ذهب بفضة، وعكسه.

    وإذا افترقا متصارفان بطل العقد فيما لم يقبض.

    فصل: وإذا باع دارا شمل البيع أرضها، وبناءها، وسقفها، وبابا منصوبا، وسلما ورفا مسمورين، وخابية مدفونة، لا قفلا، ومفتاحا، ودلوا، وبكرة ونحوها، أو أرضا شمل غرسها وبناءها، لا زرعا، وبذره إلا بشرط، ويصح مع جهل ذلك.

    وما يجزُّ أو يلقط مرارا فأصوله لمشترٍ، وجزة ولقطة ظاهرتان لبائع ما لم يشترطه مشترٍ.

    ومن باع نخلا تشقق طلعه، فالثمر له مبقي إلى جذاذ ما لم يشرطه مشترٍ، وكذا حكم شجر فيه ثمر بادٍ، أو ظهر من نوره كمشمش، أو خرج من أكمامه كورد وقطن، وما قبل ذلك، والورق مطلقا لمشترٍ.

    ولا يصح بيع ثمر قبل بدو صلاحه، ولا زرع قبل اشتداد حبه لغير مالك أصل أو أرضه، إلا بشرط قطعٍ إن كان منتفعا به، وليس مشاعا، وكذا بقل ورطبة ولا قثاء ونحوه إلا لقطة لقطة، أو مع أصله، وإن ترك ما شرط قطعه بطل البيع بزيادة غير يسيرة إلا الخشب فلا، ويشتركان فيها.

    وحصاد، ولقاط وجذاذ على مشترٍ، وعلى بائع سقي، ولو تضرر أصل.

    وما تلف سوى يسير بآفة سماوية فعلى بائع ما لم يبع مع أصل، أو يؤخر أخذ عن عادته.

    وصلاح بعض ثمرة شجرة صلاح لجميع نوعها الذي في البستان، فصلاح ثمر نخل أن يحمرَّ أو يصفر، وعنب أن يتموه بالماء الحلو، وبقية ثمر بدو نضج، وطيب أكل، ويشمل بيع دابة عذارها ومقوادها ونعلها، وقن لباسه لغير جمال.


    --------------------------------------------------------------------------------



    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    الفصل الأول: في الربا، والفصل الثاني: في بيع الأصول والثمار.

    فنبدأ بالربا.

    الربا في اللغة الزيادة، يقال: ربا هذا الشيء يعني: زاد، قال الله -تعالى-: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ يعني: ربت: زادت بالنبات، وارتفعت عن مستواها، وكذلك قال تعالى: وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَة الربوة: المكان المرتفع الذي زائد عن مستوى الأرض، هذا تعريفه في اللغة، وفي الشرع: الربا زيادة في شيء مخصوص، يعني: في أشياء مخصوصة.

    والربا قد حرَّمه الله -تعالى-، وورد الوعيد الشديد في تحريمه، فمن ذلك قول الله -تعالى-: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ يعني: توعَّدهم بأنهم في الآخرة يقوم أحدهم، ثم يسقط مثل المجنون الذي يُصْرع يمشي قليلا، ثم يُصرع، هكذا شبَّههم بالذى يتخبطه الشيطان من المسِّ يعني: الذي قد لامسه مسٌّ من الجِن، فالعادة أنه يمشي، ثم يُصرع، ثم يقوم فيمشي، ثم يسقط، فهكذا يقومون إذا بعثوا أكلة الربا.

    في بعض الآثار أنهم يعرفون بانتفاخ بطونهم، وورد في حديث سمرة الذي في البخاري ذكر الرؤيا التي ذكر أنه مرَّ برجلين: أحدهما: يسبح في ماء، والآخر: يسبح في دم، والآخر على طرفه عنده حجارة كلما أتى إليه فتح فمه وألقى فيه حجارة، حجرا أو حجارة، وفسره بأنه آكل الربا كأنه يأكل من هذه الحجارة.

    اتفق العلماء على أن الربا من كبائر الذنوب، واستدلوا على ذلك:-

    أولا : بالوعيد الشديد في القرآن قال الله -تعالى-: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أي: عاد إلى تعاطيه، ولم يتب منه، واستعمله، وأكله فإنه متوعد بهذا الوعيد الشديد فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ثم قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا أي: اتركوا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، ثم قال: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ذكر بعض السلف أنه يقال لآكل الربا يوم القيامة: قم حارب الله ورسوله، أي: كأنه قد استعد أن يحارب الله ورسوله، وماذا يفعل؟ وماذا تنتهي به قوته في هذه المحاربة؟.

    ويقول الله -تعالى-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً ولا شك أن النهي يدل على التحريم، وقد ورد الوعيد عليه في الحديث الذي في الصحيح عن جابر وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: لعن آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، وقال: هم سواء فاللعن دليل على التحريم، أنه حرم التعاون عليه، فالشاهدان لما شهدا على هذا الحرام، وأكداه بشهادتهما دخلا في الوعيد، والكاتب لما علم بأنه ربا، وكتبه دخل في الوعيد، والآكل هو الذي يتعاطاه ويربحه، والموكل هو الذي يسببه حتى يدخله على الآكل، أي: عليهم الوعيد.

    كذلك ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- عدَّه من السبع الموبقات، في الحديث الذي في الصحيح عن أبى هريرة: اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات فجعله من جملة هذه المحرمات، وسماها موبقات يعني: مهلكات.

    ورد فيه أحاديث فيها وعيد شديد، ولكن يظهر أنها من أحاديث القُصَّاص، ولو كانت يعني: أسانيدها مقاربة، مثل الحديث الذي فيه: " درهم ربا أشد إثما من سبع أو ست وثلاثين زنية " هذا الحديث إسناده مضطرب، ولكن يظهر أنه من أحاديث القُصَّاص الذين يقصون ويتساهلون في الرواية.

    وكذلك حديث آخر بلفظ " الربا سبعون حوبا أو ست وسبعون حوبا أهونها مثل أن ينكح الرجل أمه " هذا -أيضا- من أحاديث القُصَّاص يعني: يظهر أنها ليست صحيحة؛ وذلك لأن هناك قصاصا كانوا يأخذون ما وجدوا فربما يسمعون الحديث من أحد العامة فيرونه ويجعلونه حديثا فيسمعه مَن يرويه، ويصدر به، وبكل حال الوعيد شديد.

    وصحَّح بعضهم بعض هذه الأحاديث في منظومة ابن عبد القوي الدالية المشهورة يقول فيها:

    وإياك إياك الربا فلدرهم

    أشـد عقابا من زناك بنهد



    يعني: أخذا من هذا الحديث، ولكن يكفي أنه من السبع الموبقات إلى آخر ما ورد فيه.

    ذكر أن الربا نوعان: ربا ففضل، وربا نسيئة، وربا الفضل أخف؛ وذلك لأن فيه خلاف عن بعض السلف، قد روي عن ابن عباس وغيره أنهم أباحوا ربا الفضل، ولكن ذكروا أن ابن عباس رجع عنه، وإن كان قد تبعه على ذلك بعض تلاميذه وقالوا بقوله، وذكر بعضهم أنه لم يرجع عن إباحته، واستدل له بحديث رواه أسامة في الصحيح: لا ربا إلا في النسيئة أو: إن الربا في النسيئة فأخذوا من هذا أنه لا يحرم ربا الفضل، ولكن حمله بعضهم بقوله: "لا ربا أشد، ولا ربا أعظم من ربا النسيئة".

    بدأ بربا الفضل، ربا الفضل اختار هنا أنه في كل مكيل وموزون بيع بجنسه متفاضلا، يحرم ربا الفضل، يحرم في كل مكيل وموزون بيع بجنسه متفاضلا ولو يسيرا لا يتأتى، يعني: في الحاشية قال: "كتمرة بتمرتين" هكذا اختار، وهو المشهور عن الإمام أحمد أنه كل مكيل وموزون، يعني: أن عِلَّة الربا الكيل والوزن، يعني: كل ما يكال أو يوزن فإنه يعتبر ربويا أي: ربا فضل مثاله: يعني: كل مكيل بيع بجنسه فلا بد أن يكون متساويًا، ولا يصح متفاضلا.

    عندنا المكيلات هي ما كان أهل المدينة يبيعونه بالكيل كالتمر والزبيب والبُر والشعير والذرة والدخل والأرز، وكذلك ما ليس قوتا يعني: ما كان مكيلا، ولو لم يكن قوتا مثل: القهوة والهيل والقرنفل والزَّنجبيل، وكذلك ما ليس:أيضا- بمأكول ولا مطعوم كزهر الورد، والصابون التايد الآن، وكل ما كان يباع بالكيل.

    يقولون: لا يجوز صاع بُر بصاعين بُر، هذا ربا، ولا صاع شعير بصاعين، ولا صاع بُر بصاعٍ وحفنة، ولا صاع تمر بصاعين، لا يجوز هذا، ودليله أن بلالا ذكَر أنه: جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بتمر جيد فسأله أكل تمر خيبر هكذا؟ فقال: لا يا رسول الله لا، والله إننا نشتري الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: أَوَّهْ أَوَّهْ عين الربا لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبه

    إذا أردت أن تشتري تمرا جيدا، وعندك تمر رديء، فالتمر الرديء تبيعه بدراهم، ثم تشتري بالدراهم تمرا جيدا من الذي تريد، فأما أن تقول: يا صاحب الجيد أعطني صاعا بصاعين، أو صاعين بثلاث، أو صاعين بأربعة فهذا عين الربا، لا يجوز، هكذا ورد هذا الحديث، وقد ذُكِر -أيضا- في حديث عُبادة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمِثل، سواء بسواء، يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربا، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد

    فنص في هذا الحديث على ستة أنها ربوية، أنه لا يباع تمرا بتمر إلا مثلا بمثل، ولا يباع برا ببر إلا مثلا بمثل، ولو اختلفت القيمة، معلوم أن القيم تختلف؛ وذلك لأن هناك نوع من التمر جيد غالٍ رفيع الثمن كالذى يسمى بالسكري أو نبت السيف، ثمنه رفيع، وأن هناك تمرا رخيص كالذى يسمى بالخضل -مثلا-، أو بالصفر أنه رخيص قد يكون الكيلو من هذا بعشرين من السكري، والكيلو من هذا بريال أو بريالين، لا شك أن هذا دليل على أنه ولو تفاوتت قيمته فإنه لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمِثل.

    وإذا أراد إنسان عنده تمر -مثلا-: تمر براني أو صيحاني أو عجوة أو نحو ذلك، وأراد أن يشتري تمرا آخر، فإنه يبيع التمر الذي عنده بدراهم، ثم يشترى بالدراهم من التمر الذي يريده جيدا أو رديئا، فأما أن يقول: أعطني صاعا بصاعين فهذا ربا، أو صاعا بصاع ونصف فهذا ربا -كما في حديث بلال الذي ذكرنا-.

    ومثله: البُر يختلف -أيضا- هناك بر يسمى الصمم، وبر اسمه الشارعي، وبر اسمه الحب -الحُباب-، وبر اسمه اللقيني، وأنواع هذه تختلف -أيضا- قيمتها فيكون بعضها صاعه بأربعة، وبعضها صاعه بستة، وبعضها صاعه بثلاثة، فإذا كان الإنسان عنده بُر رديء، ويريد أن يشتري جيدا باع الرديء بالدراهم، واشترى بالدراهم جيدا، وكذلك بالعكس، ولا يقول: أعطني صاعا بصاعين، أو صاعين بثلاثة، بل هذا من الربا مثلا بمِثل، ولو اختلفت القيمة إذا كان الاسم واحدا، هذا تمر، وهذا تمر، ولو كان هذا نوع، وهذا نوع.

    تعرفون -مثلا-: أن الاسم يعمُّ تمر، ولكن كلمة تمر تحتها أنواع يسمى -مثلا- السُّلج نوع -مثلا- والروحاني نوع -مثلا- والنيفي نوع، والصفري نوع، والجميع تمر يسمى جنس، فالجنس تمر تحته أنواع، والبُر جنس يسمى بُر، ويسمى قمح، ويسمى حنطة كل هذه مسميات لاسم واحد، ولكن تحته أنواع -كما ذكرنا- فيقال: الصَّمم نوع، والشارعي نوع، وأشباه ذلك، فإذا أراد أن يشتري نوعا بنوع فلا يجوز إلا مثلا بمِثل.

    والحديث ذكرنا أن فيه ستة وهي: الذهب والفضة والبُر والشعير والتَّمر والمِلح، واختلف العلماءُ هل يُلحق بها غيرها، أو لا يُلحق بها غيرها؟ ذهب ابن حزم والظاهرية أنه لا يلحق بها غيرها، بل يقتصر على هذه الستة، ولا يجوز أن يلحق بها غيرها.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والحديث ذكرنا أن فيه ستة، وهي: الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.

    اختلف العلماء هل يلحق بها غيرها، أو لا يلحق بها غيرها؟

    ذهب ابن حزم والظاهرية أنه لا يلحق بها غيرها، بل يقصر على هذه الستة، ولا يجوز أن يلحق بها غيرها، والجمهور قالوا: يلحق بها غيرها، ويقاس عليها، فإنه ما ذكر هذه الستة إلا ليلحق بها غيرها. واختلفوا ما السبب الذي نجعله علة، حتى نلحق به ما كان مثله ؟

    فالإمام أحمد وأبو حنيفة قالوا: كل ما يكال أو يُوزن فإنه يلحق بالستة، وجعلوا علة الربا: الكيل والوزن.

    هكذا اختار الإمام أحمد، في هذا السطر يقول: في كل مكيل وموزون، كل مكيل لا يباع بجنسه إلا مثلا بمثل، وكل موزون لا يُباع بجنسه إلا مثلا بمثل.

    المكيلات في العهد النبوي هي: الحبوب، والثمار، والسوائل، هذه كلها مكيلات.

    مثلا: التمر مكيل، والدهن مكيل يباع بالكيلو، واللبن مكيل، والأرز مكيل، والقهوة مكيل، والقرنفل والزنجبيل، وكذا ما ليس بمطعوم، وما ليس بقوت مثل: الحلب، والرشاد -حب الرشاد-، وما يسمى بالحب الحار، وأشباهها هذه كلها تباع كيلا -تباع بالكيل-، فعلى هذا تكون ربوية.

    فلا يجوز أن يباع حب الرشاد -مثلا- صاعا بصاع ونصف، يعني: رشاد برشاد، أو الحلب؛ صاع بصاع وربع، ما يجوز إلا مثلا بمثل.

    وكذلك القهوة؛ لو كان عندك قهوة رديئة، وأردت أن تشتري جيدة، فلا تبعها إلا مثلا بمثل؛ صاعا بصاع، وإذا أردت الجيدة فإنك تبيع الرديئة بالدراهم، ثم تشتري بالدراهم جيدة مما تريد، وهكذا …* مثلا يتفاوت منه ما هو جيد وما هو رديء، فإذا أراد أن يشتري جيدا، وعنده رديء، باع الرديء بالدراهم، واشترى بالدراهم جيدا.

    أما أن يقول: أعطني صاعا بصاعين من هذا الرديء، فلا يجوز، يدخل في الربا، يدخل في ذلك كل المكيلات قديما، الدهن -مثلا- كان يباع بالكيلو، ولكن يختلف أصله يرجع فيه إلى أصله؛ فدهن الغنم يسمى جنسا، فلا يباع منه صاع بصاعين، أو صاع بصاع ونصف من دهن الغنم، الغنم ضأن ومعز جنس واحد، وأما دهن غنم ودهن إبل، فإنه يختلف، فيجوز أن يباع صاع من دهن الغنم بصاعين من دهن الإبل، وذلك لأنه ليس مثله؛ هذا له أصل، وهذا له أصل، ولكن لا بد أن يكون يدا بيد، لا بد من التقابض.

    وكذلك يقال في الألبان، أي: لبن الإبل أقل -يعني: أرخص- من لبن الغنم، فيجوز أن يباع صاع من لبن الغنم بصاعين من لبن الإبل، ولكن يدا بيد، وأما لبن غنم بلبن غنم فلا بد فيه من شرطين: لا بد من التماثل، ولا بد من التقابض؛ صاع بصاع.

    وكذا يقال في نتيجته الذي هو مثلا الأقط يباع أيضا كيلا، فلا يجوز أن يباع أقط الغنم إلا صاعا بصاع، أو صاعين بصاعين، مثلا بمثل، ويجوز صاع من أقط الغنم بصاعين من أقط الإبل، وذلك لاختلاف الأصل.

    وكذلك يقال في المكيلات أيضا، ولو كان كيلها غير معتاد. يقولون: إن البصل يباع بالكيل في الأصل، فعلى هذا لا يباع إلا صاعا بصاع، ولو اختلف المسمى، ولو كان هذا طويلا، وهذا عريضا -مثلا- يباع صاعا بصاع، ومن كان عنده رديء باعه بدراهم، واشترى جيدا بالدراهم. فهذه أمثلة للمكيل.

    أما الموزونات: الموزون: هو الشيء لا يتأتى كيله مثل: اللحوم؛ تباع بالوزن، ولكنها أجناس فلحم الغنم جنس، ولحم البقر جنس، ولحم الإبل جنس، ولحم السمك جنس، ولحم الطيور جنس.

    من العلماء من قال: إنها عدة أجناس، يعني مثلا: لحم الدجاج جنس، ولحم الحمام جنس، ولحم العصافير جنس، ولحم الحُبارى جنس، ومنهم من قال: إنها كلها جنس، فعلى هذا هي تباع بالوزن، فلا يجوز أن يُباع -مثلا- كيلو لحم بقر بكيلوين لحم بقر، ولو كان هذا سمينا، وهذا هزيلا؛ لأن الاسم واحد: لحم بقر.

    وكذلك لحم الغنم لا فرق على الصحيح بين الضأن والمعز، كلاهما جنس؛ فعلى هذا لا يجوز أن يباع كيلو لحم بكيلوين لحم من الغنم، ولو كان هذا سمينا دسما، وهذا هزيلا؛ من كان عنده لحم هزيل وأراد سمينا باع الهزيل بالدراهم، واشترى بالدراهم سمينا، فأما أن يقول: أعطني كيلو بكيلوين فهذا عين الربا، ويجوز أن يشتري مثلا كيلو لحم غنم بكيلوين لحم إبل؛ لأنه أرخص، ولأنه جنسان: هذا جنس، وهذا جنس.

    ثم كلمة اللحم خاصة باللحم الأحمر؛ لحم الظهر، ولحم الفخذ، ولحم العضد، وأما البواطن فإنها أجناس أيضا؛ فالكبد جنس، والطحال جنس، والرئة جنس، والكلية جنس، والقلب جنس، والأمعاء جنس، والكرش جنس، هذه أجناس لا تتفق، فعلى هذا يجوز أن يباع مثلا اللسان بالقلب، ولو اختلف الوزن، وذلك لأنها متفاوتة. هذا من الموزونات.

    اللحوم موزنات ذكرنا أن بعض العلماء جعلها أربعة، فقال: السمك جنس، والطيور جنس، وبهيمة الأنعام جنس، والصيد جنس، وبعضهم اعتبرها أجناسا، وهذا هو الأقرب؛ الإبل جنس، والبقر جنس، والغنم جنس، والظباء جنس، واللحوم جنس مثلا، وكذلك الطيور ولو تفاوتت؛ يعني: يقال: لحم الدجاج جنس، ولحم الحبارى جنس إلى آخره، إلاّ أنها إذا تقاربت فإنها تكون جنسا؛ فالبقر والغنم... الضأن والمعز جنس، والبقر والجواميس جنس، والإبل والبخاتي جنس. هذا نوع من الموزونات.

    الموزونات كثيرة؛ فمن الموزونات مثلا: القطن، والحديد، والنحاس، والصفر، والرصاص، والصوف، والشعر، وأشبه هذه، هذه ما تباع بالكيل، إنما تباع بالوزن، فلا بد فيها من التماثل؛ فإذا باع قطنا بقطن فلا بد أن يكون كيلو بكيلو، ولو اختلفت القيمة، وإذا باع مثلا صوفا بصوف فلا بد أن يكون مثلا بمثل، إذا باع حديدا بحديد فيكون مثلا بمثل، وإذا باع رصاصا برصاص فيكون مثلا بمثل.

    فهذه هي الربوية عند الإمام أحمد، يقول: في كل مكيل وموزون يخرج ما لا، أي: ما لا يكال ولا يوزن؛ الذي لا يكال ولا يوزن إما المعدود، أو المزروع فمثل هذا ليس بربوي.

    فيجوز أن تبيع شاة بشاتين، وبعيرا ببعيرين؛ فقد روي أن عليا -رضي الله عنه- باع جملا له يسمى: عصيفيرا بعشرين بعيرا إلى أجل، وذلك لارتفاع قيمته، فيجوز فيهما النَّساء ويجوز فيه التفاضل، ويجوز أن يبيع عبدا بعبدين، وفرسا بفرسين، وشاة بشاتين؛ لأنها لا تكال ولا توزن ما دامت حية.

    وكذلك ما يباع بالأعداد ونحوها؛ يجوز أن تبيع جلدا بجلدين أو بعشرة جلود، يجوز أن تبيع مثلا ثوبا بثوبين أو بخمسة ثياب، ويجوز به أيضا النَّساء، ويجوز أن تقول مثلا: أبيعك هذا الثوب بثوبين جديدين تعطنيهما بعد شهر، أو بعد عام، لا بأس بالمفاضلة، ولا بأس بالنَّساء.

    ومثله أيضا ما يباع بالعدد إن كانوا يبيعون الخضار بالعدد لا بالوزن؛ التفاح مثلا والبيض يباع بالعدد، لا يوزن ولا يكال، فعلى هذا يجوز أن تبيع بيضتين بأربع، وأن تبيع تفاحتين بأربع، أو مثلا أترجتين بثلاث، أو بطيختين بثلاث، أو -مثلا- القرع، والباذنجان والكوسة، والخيار، والطروح …، وكذلك أيضا ما يباع بالسرة كالخس، والفجل، وأشباهها، هذه ليست مكيلة ولا موزونة، فيجوز التفاضل فيها، يعني: واقع الناس كذلك عند الحاجة أن تبيع حبة بحبتين من القرع، أو من الباذنجان، أو ما أشبه ذلك؛ لأن هذا يباع بالعدد.

    وإذا قلت: إن التفاح -الآن- يباع بالوزن، وكذلك البرتقال، وكذلك مثلا الفواكه، نقول: إن العبرة بالأصل، يمكن أن يكون بعضها -الآن- قديمة يباع بالكيل؛ الصغير مثلا مثل: المشمش، والخوخ، والتين.

    هذا يلحق بالمكيلات غالبا؛ لأنه مكيل، يكيلون المشمش بالصاع، وكذلك الخوخ، والتين كما إنهم يكيلون الزبيب، فالحاصل أن الثياب -مثلا- يجوز بيع ثوب بثوبين، أو ذراع بذراعين، ولو من قماش واحد، ويجوز فيه النساء؛ أن يبع ثوبين بخمسة ثياب مؤجلة، لا بأس بالنساء فيه، ولا بأس بالتفاضل.

    ثم عرفنا أن هذا هو اختيار الإمام أحمد، أنه يرى أن الربا يختص بما يكال ويوزن، وأما الإمام مالك فإنه يرى أن العلة في الربا هي القوت؛ كل شيء يصلح قوتا، أو يصلح به القوت فإنه ربوي، وإلا فليس بربوي، ويلحق بذلك ما كان قوتا، فيقول ورد الشرع بأربعة من القوت: البر، والشعير، والتمر، والملح؛ لأنه يصلح به القوت، فيجعل مثلا الرز ربوي؛ لأنه قوت.

    كذلك الدهن والذرة؛ لأنه قوت، ويلحق بذلك ما يصلح بها القوت، أو ما يتبع القوت، فيقول مثلا: الخضار يصلَح بها القوت، فعنده أن الطماطم ربوي، وكذلك القرع؛ لأنه يصلح به القوت، أو يخلط به، وكذلك جميع ما يحتاج إلى طبخ، حتى مثلا الجذر، والبيض يكون قوتا، وكذلك أيضا الفواكه يعني: العنب، والزبيب يصبح قوتا، ويجمع مع القوت.

    فعلى هذا -على مذهب مالك- أنه لا يجوز بيع … إلا مثلا بمثل؛ القرع، ولا الأترج إلا مثل بمثل؛ لأنه يصبح قوتا.

    وكذلك جميع الفواكه: التفاح عنده قوت؛ لأنه يمكن أن يكون قوتا، الموز عنده قوتا؛ لأنه يصلح أن يقتات فيكون أيضا ربويا، وأما ما ليس بقوت كالقهوة، ومثلا: الهيل فإنه ليس بقوت، وكذلك القرنفل، وكذلك الحلب، وحب الرشاد، وما أشبه ذلك، فهذه عند مالك ليست ربوية؛ يجوز أن تبيع صاعا من القهوة بصاعين، أو صاعا من الهيل بصاعين إذا كان يدا بيد؛ لأنها ليست قوتا، وليست مما يصلح به القوت. هذا قول مالك.

    يقول: اللحوم قوت؛ فجميع اللحوم عنده ربوية، وأما الحديث فليس بربوي، وذلك لأنهم اختلفوا في العلة في الذهب والفضة؛ فالإمام أحمد وأبو حنيفة يقول: العلة فيهما كونهما موزوني جنس، أنهما يوزنان؛ الذهب يباع بالوزن، والفضة تباع بالوزن، فيلحقون بهما الرصاص؛ لأنه يباع بالوزن، والحديد يباع بالوزن مثلا، والشنيدر يباع بالوزن، والصفر يباع بالوزن، كذلك -أيضا مثلا- الصوف والقطن وما أشبه ذلك، هذه تُباع بالوزن فألحقناها بالذهب والفضة.

    وأما الإمام مالك فيقول: العلة في بالذهب أنه أثمان، والعلة في الفضة أنها أثمان، فلذلك نلحق بها ما كان ثمنا، فنلحق بها ما يسمى -الآن- بالهلل، ونلحق بها أيضا الأوراق النقدية؛ لأنها أثمان بجميع أنواعها، فلا تباع إلا جنسها بجنسها إلا مثلا بمثل؛ لا يباع ريال بريالات عربية سعودية إلا مثلا بمثل، ولو كان مثلا هذا متمزق، وهذا صحيح، فلا يباع إلا ريال بريال، أو خمسة بخمسة، إلا إذا اتفق الاسم، واختلفت القيمة مثلا، فيجعل العلة في الذهب والفضة كونهما أثمانا للسلع.

    أنت مثلا إذا قلت: بكم هذا الكتاب؟ فيقولون مثلا: بعشرة، أي: ريالات، دل على أنها أثمان، أي: قيم للسلع، فيجعل العلة هي الأثمان؛ فعند الإمام مالك يجوز في -مثلا- الحديد أن يباع بكيلوين، أو القطن أن يباع كيلو بكيلوين؛ لأنه ليس قوتا، وليس أثمانا. فالعلة عنده القوت.

    الإمام الشافعي يقول: العلة هي الطعم، الطعم عنده هو العلة، والعلة في الذهب والفضة الثمنية أيضا كما قاله مالك، فعند الإمام الشافعي أيضا أن الصوف، والقطن مثلا، والحديد بأنواعه، والرصاص ليس ربويا؛ لأنه ليس مطعوما، ولأنه ليس أثمانا.

    وعند الإمام الشافعي أن كل شيء يطعم، ولو لم يكن قوتا فإنه ربوي، وما ليس بمطعوم فإنه ليس بربوي، فنأتي بأمثلة:

    مثلا فنقول: عندنا مثلا الحنة، هذا ما هو ربوي عنده -عند الإمام أحمد-؛ لأنه مكيل، وليس ربويا عند الشافعي؛ لأنه ليس بمطعوم، ولا عند الإمام مالك؛ لأنه ليس بقوت، وكذلك مثلا زهر الورد ليس ربويا إلا عند الإمام أحمد؛ لأنه يكال، لأنه مكيل.

    وكذلك مثلا الصابون، الذي يغسل به ليس ربويا؛ لأنه ليس بمطعوم عند الإمام الشافعي، وليس بربوي عند مالك؛ لأنه ليس بقوت، ولكنه مما يشبه ما يكال، فهو ربويٌ عند الإمام أحمد، وكذلك مثلا الأشنان، الذي كانوا يغسلون به، ربوي عندنا، دون الإمام مالك والشافعي.

    كذلك مثلا النورا التي يُطلى بها، وما أشبهها، هذه ربوية عندنا، وليست ربوية عند الشافعي؛ لأنها ليست بمطعومة، ولا عند الإمام مالك؛ لأنها ليست بقوت. أما مثلا القهوة ربوية عندنا لماذا؟ لأنها مكيلة، وربوية عند الشافعي؛ لأنها مطعومة وليست ربوية عند مالك؛ لأنها ليست قوتا، وكذلك مثلا الزنجبيل، والحلب، وحب الرشاد، والقرنفل، والحب الحار وما أشبهها هذه ربوية عند الشافعي؛ لأنها مطعومة، وربوية عندنا؛ لأنها مكيلة، وليست ربوية عند مالك؛ لأنها ليست قوتا. فهذه تعليلات الأئمة فيما هو ربوي ربا فضل.

    نعود فنقول: إذا بيع مكيل بمكيل، أو موزون بموزون فلا بد فيه عندنا من شرطين: التماثل صاع بصاع، أو كيلو بكيلو، والتقابض يدا بيد، ولا تجوز الزيادة فيه، ولو يسيرا كتمرة بتمرتين، أو حفنة بحفنتين، لا نساء ولا حالّة، فلا يصح إلا متساويا؛ صاع بصاع، أو كيلو بكيلو، أو حفنة بحفنة، أما إذا بيع بغيره فإنه يصح، يصح إذا بيع بغيره بشرط: قبض قبل تفرق؛ صورة ذلك: بر بشعير، ماذا يشترط فيه ؟

    يشترط فيه التقابض دون التساوي، فتقول مثلا صاع بر بصاعين شعير يجوز، ولكن لا بد من التقابض يدا بيد؛ لأنه قال في الحديث: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم؛ إذا كان يدا بيد مثلا: صاع زبيب بصاعين تمر، ماذا يشترط فيه؟ يشترط فيه التقابض دون التساوي -صاع بصاعين يجوز-؛ لأنه قد يكون الزبيب أغلى، فيقال: صاع بصاعين تمر يجوز ذلك، هذا معنى قوله: وبغيره مطلقا، يعني: ويجوز بغيره، يعني: أن يباع مكيل بموزون، أو أن يباع جنس بغير جنسه؛ لأنه قال هناك: بيع بجنسه تفطن لكلمة جنسه، تمر بتمر جنس بجنس، وأما تمر بزبيب فإنه جنس بجنس آخر، ليس بجنسه، ما بيع بجنسه. فاشترط فيما إذا بيع بغير جنسه التقابض قبل التفرق، ولو حصل التفاوت: صاع بصاعين.

    ثم ذكروا أنه لا يجوز أن يباع المكيل بجنسه وزنا، ولا عكسه؛ فيقولون مثلا: التمور مكيلة، فلا يباع تمر وزنا بتمر كيلا، وذلك لعدم تحقق التساوي، فلا يباع مكيل بجنسه إلا كيلا، ولا موزون بجنة إلا وزنا، فلا يباع مكيل مثلا صاع تمر بكيلوين تمر؛ لأننا نتحقق التماثل، أو صاع زبيب بثلاثة كيلو زبيب ما يجوز، لا يباع إلا كيلا، والصحيح أنه يجوز وزنا؛ لأن الوزن أضبط بالمثلية، فيجوز أن يباع مثلا كما هو واقع الناس، أن التمر أصبح موزونا، وأن الزبيب أصبح موزونا، وأن الدهن أصبح موزونا، فيجوز أن يباع مثلا كيلو بكيلو -تمر بتمر-، ولو اختلف النوع، كيلو بكيلو.

    ولذلك قال: ولا عكسه إلا إذا علم تساويهما في المعيار الشرعي.

    المعيار الشرعي في المكيلات هو الصاع، وفي الموزونات هو ما يعرف بالرطل قديما، ما يعرف -الآن- بالكيلو، هذا المعيار الذي تقدر به هذه المقدرات، ثم نعرف أنهم توسعوا في ذكر الأمثلة، فلذلك قالوا: لا بد من التحقق في التماثل.

    ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- سئل: هل يباع الرطب بالتمر؟ فقال: هل ينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم هو يعرف أنه ينقص؛ لأنه إذا كان رطبا ففيه هذه الرطوبة، وهذا الدُّبس، فإذا يبس وجف خف وزنه، وخف كيله- فلذلك قال: لا يباع إلا مثلا بمثل. يعني: لا يباع الرطب باليابس؛ لعدم تحقق التساوي، أما الدقيق مثلا فيباع وزنا ولا يباع كيلا؛ لأن العادة أنه إذا طحن انتشرت أجزاؤه، فأنت مثلا تأتي بالصاع من البر تطحنه، وإذا كلته وجدته قد زاد أصبح صاعا وربعا، أو صاعا وثلثا، ففي هذه الحال لا يباع صاع دقيق بصاع بر؛ لعدم التساوي إلا بالوزن.

    الوزن تحقق إذا بيع مثلا كيلو دقيق بكيلو بر فلا بأس بذلك، وكذلك أيضا العصيرات أيضا بأصولها؛ فعصير العنب يعتبر مثل العنب، فلا يباع إلا بجنسه مثلا بمثل، ودُبس التمر يلحق -أيضا- بالتمر، فلا يباع دبسا بدبس إلا متساويا متماثلا، أما إذا خرج عن صنعته فالصحيح أنه يجوز التفاضل فيه، مثاله: الخبز، الخبز إذا خبز أصبح غير مكيل، ولا موزون أصبح يباع بالعدد، ولو أن هناك من يوزنه؛ ففي هذه الحال يجوز أن تشتري رغيفا برغيفين، ولو كان أصلهما بُر، ويجوز فيه النساء أيضا، يجوز أن تقول: بعني رغيفا وأعطيك رغيفين غدا.

    يعني: الرغيف الذي هو الواحدة من الخبز، وكذلك -أيضا- إذا كان -مثلا- خبزة كبيرة، تقول: بعني هذه الكبيرة بأربع صغيرات، أو بثلاث يجوز ذلك، وذلك لأنه خرج عن أصله، أصبح غير مكيل ولا موزون، أصبح يباع بالعدد كما هو مشاهد، وأما إذا كان باقيا على أصله، أو محلقا بأصله مثلا كالعصير والدُّبس ونحوه، فإنه باق على ما هو عليه.

    انتهينا من ربا الفضل نأتي إلى ربا النسيئة:

    ربا النسيئة: هو ربا الجاهلية الذي ورد فيه الوعيد الشديد؛ كان أهل الجاهلية إذا كان عند إنسان لك دين إن كان عندك لإنسان دين؛ مثلا: عشرة آلاف. جاء إليك، وقال: أعطني ديني، وإلا زدت عليك فيه وأخرتك، يعزرون بذلك فيه بقولهم: إما أن تعطي، وإما أن تربي، إما أن تعطيني ديني الذي في ذمتك، وإما أن تربي. ما معنى تربي ؟

    أي: نزيد في الدين، ونزيد في الأجل، يقول: الدين عشرة آلاف نجعله خمسة عشرة ألفا، ونؤخرك سنة، فإذا تمت السنة جاء إليك، وقال: لي عندك خمسة عشرة ألفا، إما أن تعطينيها وإما أن أزيدك وأؤخرها، فيؤخرك سنة ويجعلها مثلا عشرين ألفا، فإذا هلت العشرون جاء وقال: أعطني العشرين وإلا زدتك زدت فيها، وأجلتك سنة، فيجعلها مثلا ثلاثين، ويقول: أؤخرها سنة، فإذا حلت الثلاثون جاء، وقال: أعطني الثلاثين، وإلا زدت فيها، وأؤخرك فيجعلها أربعين، وهكذا تتضاعف، هذا معنى قوله: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً

    ولما جاء الإسلام وإذا هنا أناس عندهم عشرات الألوف، وهي ربا فجاء الإسلام في إبطالها؛ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: كل ربا من ربا الجاهلية موضوع تحت قدميّ، وأول ربا أضعه ربا العباس فوضع الربا الذي كان العباس يتعاطاه عند كثير من المرابين، وأنزل الله -تعالى- قوله: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ

    إذا كان رأس مالك عشرة آلاف، ثمن السلع التي أنتجتها فاقتصر عليها، والزيادة التي ضاعفتها إلى أن وصلت إلى أربعين، أو مائة ألف كل هذه أسقطها، ليس لك إلا رأس مالك هذا ما كانوا يتعاملونه.

    النساءه هو التأخير: نسأه يعني: أخره، قال -تعالى-: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ نسيء الجاهلية الذي هو تأخير تحريم بعض الشهور المحرمة، وقرأ بعض القراء قول الله -تعالى-: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا أي نؤخرها. فالنسأ هو التأخير، ومعنى ذلك أنهم يقولون: نؤخرك بالمطالبة ونزيد في الدين، أي: الدين الذي هو عشرة، ننسأه أي نؤخره، ثم نجعله زائدا عما كان عليه، فلذلك يحرم ربا النسيئة فيما اتفق في علة ربا الفضل كمكيل بمكيل، وموزون بموزون نساءة.

    ذكرنا في ربا الفضل أنه لا يجوز فيه النساء إذا كان جنسا بجنس، أو اتفق في العلة، إذا اتفق في علة واحدة؛ فمثلا: شعير ببر إن صاع بصاعين، ماذا يشترط فيه؟ يشترط فيه التقابض، ولا يجوز فيه النساء، ومثلا كيلو لحم غنم بكيلوين لحم إبل يجوز، ولكن لا بد فيه من التقابض، لا يجوز فيه النساء، وذلك لأن العلة فيه واحدة، وهو أن هذا موزون وهذا موزون.

    وكذلك مثلا إذا بيع حديد أو رصاص بلحم، ماذا يشترط فيه؟ يشترط فيه التقابض، ولا يجوز فيه النساء، يحوز التفاضل، ولا يجوز التفرق قبل التقابض، فيحرم ربا النسيئة فيما اتفقا في علة ربا فضل، كمكيل بمكيل، يعني: بر بشعير، لا يجوز النَّساء، يعني: التأخير، بل صاع بصاعين، وموزون بموزون، كحديد بقطن، أو حديد بلحم، أو لحم بقطن أو بصوف، موزون بموزون، لا يجوز إلا يد بيد، لا يجوز نساء.

    استثنوا إذا كان الثمن أحد النقدين، عندنا أن النقود العلة فيها الوزن، يعني: الريالات؛ الريالات قديما من فضة والجنيهات من الذهب، قديما كانوا يتعاملون بالدراهم فضة مضروبة، أو بالذهب الذي هو الدنانير مضروبة، وفي هذه الحال يجوز النساء إذا كان الثمن أحد النقدين، يعني: من النقود، فيجوز مثلا أن تشتري لحما بدراهم غائبة، أو تشتري قطنا مثلا بدراهم غائبة، أو تشتري قطنا غائبا، أو لحما غائبا بدراهم حاضرة، وهو ما يسمى بالسلم، فلو منع ذلك انسد السلم في الموزونات، يجوز بيع مكيل بموزون، وعكسه مكيل بموزون يجوز، وعكسه موزون -يعني- بمكيل جائز مطلقا، هناك ما يتعلق بالصرف؛ لأن فيه … إن شاء الله غدا.

    س: أحسن الله إليكم، وهذا السائل يقول: إذا ذهب أحد ليصرف خمسمائة ريال، فلم يجد عنده إلا ثلاثمائة ريال. فقال: خذ الثلاثمائة، وارجع بعد مدة وخذ المائتين. فهل يعتبر هذا صحيحا ؟

    ج: يجوز ذلك، وذلك لأنها اسم واحد، ولا فرق بينها؛ خمسمائة ورقة واحدة، أو خمس ورقات، أو عشرة ورقات القيمة واحدة، ولا تفاوت بينها، فلا حرج في كونه مثلا يعطيك -الآن- ثلاثمائة، ترجع إليه بعد يوم أو يومين يعطيك الباقي.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: ما يتعلق بالبضائع الكبيرة التي تكون في الثلاجات، يصعب نقلها من مكانها؛ لوجود مشقة. فهل يكفي قبض الدراهم، وأخذ المستند على بيعها؟

    ج: لا بأس كأنها إذا كانت -مثلا- في أماكن ثقيلة، فإذا قبضها، إذا باع مثلا من هذه الثلاجة، أو من الثلاجات الكبيرة فتبقى في ملك البائع، لو تلفت لذهبت على البائع، لو فسدت لذهبت على البائع، ولكن يكون قد انعقد سبب البيع، فلا يجوز له أن يرجع؛ لكون البيع قد انعقد، ثم لا يجوز للمشتري أن يبيعها وهي في الثلاجة؛ اشترى مثلا مائة كرتونة، مثلا من التفاح، أو من البطاطا، أو مائة كيس من البصل، ولكنها لا تزال في الثلاجة، فلا يجوز أن يتصرف فيها، أن يقول: البيع قد انعقد، وقد وجب لوجود التفرق، ولكن ليس لك -أيها المشتري- أن تتصرف فيها قبل أن تقبضها، وإذا تلفت فإن ذهابها على البائع؛ لأنها لا تزال في مستودعه، ولا تزال في ثلاجته.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: لدي أسهم في شركة، وأريد أن أبيعها على شخص مؤجل بسعر أكثر من سعرها الحالي. فهل هذا جائز ؟

    ج: لا يجوز إذا كان مثلا أنها دراهم، أما إذا كانت سلعا فلا بأس، يعني مثلا: شركة صناعية تنتج مصنوعات، ولك فيها مثلا سهم واحد في الألف، فلك أن تبيع حالا بثمن ناقض هذا السهم، ولك أن تبيعه بمؤجل، وذلك لأنك تملك هذا الجزء، الذي هو واحد من الألف من هذه الشركة.

    وكذلك أيضا إذا كانت الشركة زراعية، عندها مثلا أراض زراعية، وعندها رشاشات، وماكينات، وحصادات، وما أشبه ذلك، ولك فيها شراكة تقول: لي في هذه الشركة سهم واحد في الألف، أو عشرة في الألف، أو واحد في المائة، فتبيع نصيبك منها بحالّ أو بمؤجل؛ لأن هذا ليس بربوي.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: عندي تمر رديء، وأريد أن أشتري بوزنه تمر جيدا، على أن أدفع الفرق بين النوعين. فهل هذا جائز ؟

    ج: غير جائز، وتسمى هذه مسألة مُد عجوة؛ مُد عجوة ودرهم بدرهمين، أو مُد عجوة ودرهم بمُد عجوة ودرهم، أو مُد عجوة ودرهم بمُدي عجوة، هذا مسألة ما روي أن فضالة بن عبيد اشترى قلادة فيها ذهب وخرز، اشتراها باثني عشر دينارا. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا تباع حتى تفصل يعني: حتى يباع الذهب بوزنه، ويباع الخرز بقيمته.

    س: أحسن الله إليكم،. وهذه سائلة تقول: ما حكم ما تفعله بعض النساء من بيع ذهب بذهب في نفس المحل، مع التفاضل في البيع؟ نرجو التنبيه؛ لأن هذه مسألة منتشرة.

    ج: صحيح منتشرة، ولعلنا نأتي إليها -إن شاء الله- غدا في الصرف، ونبين حكمها، وكيفية الوجه …، يعني: فيها تفصيل.

    س: وهذا يقول: أحسن الله إليكم. ما حكم بيع تسع ريالات معدنية بعشرة ريالات ورقية؟

    ج: ورد فيها أو وقع فيها خلاف بين المشايخ، ولعل الجواز أقرب، وذلك لوجود الاختلاف، ولأنه إذا كان يدا بيد فلا بأس، ولأن هناك فروق بين الريالات الورقية، والريالات المعدنية، والريالات الفضية، ولو كان الاسم واحد.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: انتشر في هذه الآونة الأخيرة بطاقة الهاتف بدلا من العملة النقدية، وهي فئات وبعض الناس فئة خمسين بخمسة وخمسين، أو فئة عشرين بخمسة وعشرين. فهل هذا جائز؟

    ج: لعل هذا جائز؛ لأن هذه الورقة ليست مثل الريالات، لو أتيت إلى البقال، وقلت: أعطني بهذه الورقة التي هي بطاقة الهاتف ما يعطيك و… بهذه الدراهم، إنما تصلح للهاتف فقط، فلا جرم أنه يجوز مثلا أن يبيعها، يذهب مثلا إلى الهاتف، ويأخذ منهم بطاقتين مثلا بمائتين أو بطاقتين بمائة، ثم يبيعهما بفائدة لا بأس.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: ما الراجح -حفظكم الله- في علة ربا الفضل؟

    ج: لا أستطيع أن أجزم بشيء، ولكن الإمام أحمد استدل بأن في حديث عبادة لما ذكر الأربعة، قال: وكذلك الميزان. أو وقال: في الميزان مثل ذلك، فأخذ منه أن العلة هي الكيل والوزن، وأما البقية فإنهم عللوا؛ فالشافعي أخذ بحديث ربيعة الذي فيه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل، فقال: كل شيء مطعوم فإنه ربوي، ولكل اجتهاده، والفتوى على أن العلة عندنا هي الكيل والوزن.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: إن الكيل والوزن -أحيانا- لا ينضبط؛ لأن ما كان مكيلا في بلد قد يكون معدودا في بلد آخر، فهل يرجع في ذلك إلى العرف؟

    ج: ذكروا أن المرجع في الكيل إلى المدينة زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- وفي الوزن إلى مكة، ورد في ذلك حديث في سنن أبي داود: المكيال مكيال المدينة، والميزان ميزان مكة والأشياء التي ما كانت موجودة في ذلك الزمان -يعني: في المدينة ومكة- تلحق بما يقاربها في البلاد الأخرى، وقد أحصوها تجدون مثلا في حاشية الشيخ ابن القاسم على الروم، كذلك في حاشية العنقري أحصاء عام لما هو مكيل، ولما هو موزون.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: ابتلينا باستلام رواتبنا من البنوك، وفي حال الزحام يمر علينا وقت صلاة المغرب -مثلا-، فتغلق الأبواب للحفاظ على. ..، فهل تجوز الصلاة في البنك؟

    ج: ليس هناك زحام، وفي الإمكان أنك تؤخره حتى تصلي، فالصلاة أقدم، فلا يجوز لك مثلا أن تقول: إذا ذهبت أصلي فاتني الترتيب، بل ارجع، ولو -يعني: اذهب وصلِّ- ولو أصبحت في ترتيب آخر، فالصلاة أقدم.

    س: أحسن الله إليك. كثر التساؤل حول مسألة الفرق بين المكيل والموزون. أحسن الله إليك.

    ج: قلنا: إن المكيلات هي الحبوب والثمار، وكذلك المائعات، وأما الموزنات هي التي لا يتأتى فيها الكيل مثل: اللحوم والحديد والقطن، وما أشبه ذلك، والمعدودات هي التي تباع بالعدد -غالبا- مثل: البطيخ بأنواعه: الجح، والهندوة، والقرع، والباذنجان، وما أشبه ذلك.

    وكانوا -أيضا- يبيعون بالأعدد: التفاح، والأترج، والليمون، والبرتقال، والموز، وما أشبه ذلك. هذه يرجع فيها إلى الإحصاء، يعني: مذكورة في كتب الفقهاء أن هذا مكيل، وهذا مكيل، وهذا موزون.

    س: أحسن الله إليك. يقول: التمر أنواع كثيرة، ومع ذلك لا يجوز التفاضل؛ لأنه يدخل تحت مسمى واحد وهو التمر، فلماذا جاز في اللبن والدهن؟

    ج: وذلك؛ لأنها ترجع إلى أصولها؛ التمر اسمه تمر، ثم أيضا أصله نخلة، فالأصل نخلة، وأما هذه فهذه أصلها ناقة، وهذا أصله بقرة، وهذا أصله شاة؛ الشاة تطلق على الغنم، يعني: على الضأن والمعز، فلذلك سارت اللحوم أجناسا، والألبان أجناسا، والأدهان أجناسا.

    أحسن الله إليكم، وأثابكم، ونفعنا بعلمكم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.




    --------------------------------------------------------------------------------




    وربا النسيئة





    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.

    قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: وربا النسيئة يحرم فيما اتفقا في علة ربا فضل؛ كمكيل بمكيل وموزون بموزون نساء إلا أن يكون الثمن أحد النقدين فيصح، ويجوز بيع مكيا بموزون وعكسه مطلقا، وصرف ذهب بفضة وعكسه، وإذا افترقا متصارفان بطل العقد فيما لم يقبض.

    فصل

    وإذا باع دارا شمل البيع أرضها، وبناءها، وسقفها، وبابا منصوبا، وسلما ورف مسمورين، وخابيتا مدفونة لا تطلى، ومفتاحا، ودلوا، وبقرة، ونحوها، أو أرضا شمل غرسها وبناءها لا زرع وبدره إلا بشرط، ويصح مع جهل ذلك، وما يُجز، أو يلقط مرارا، فأصوله لمشتر وجزة ولقطة ظاهرتان لبائع ما لم يشرطه مشتر، ومن باع نخلا تشقق طلعه، فالثمر له مبقٍّ إلى جداد ما لم يشرطه مشترٍ، وكذا حكم شجر فيه ثمر باد، أو ظهر من نَوره كمشمش، أو خرج من أكمامه كورد وقطن، وما قبل ذلك، والورق مطلق لمشتر، ولا يصح بيع ثمر قبل بدو صلاحه، ولا زرع قبل اشتداد حبه لغير مالك أصل أو أرضه، إلا بشرط قطعه إن كان منتفعا به، وليس مشاعا.

    وكذا بقل، وربة، ولا قثاء ونحوه إلا لقطة لقطة، أو مع أصله، وإن ترك ما شرط قطعه بطل البيع بزيادة غير يسيرة إلا الخشب فلا، ويشتركان فيها، وحصاد ولقاط وجداد على مشتر، وعلى بائع ثقيل، ولو تضرر أصل، وما تلف سوى يسير بآفة سماوية، فعلى بائع ما لم يبع مع أصل، أو يؤخر أخر عن عادته.

    وصلاح بعض ثمر شجرة صلاح لجمع نوعها الذي في البستان؛ فصلاح ثمر نخل أن يحمر، أو يصفر، وعنب أن يتموه بالماء الحلو، وبقية ثمر بدو نضج، وطيب، وأكل، ويشمل بيع دابة عزارها، ومقودها، ونعلها، وقن لباسه لغير جمال.


    --------------------------------------------------------------------------------

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    ذكر أن الربا نوعان؛ تقدم …، وأشرنا أيضا إلى ربا النسيئة، وأنه كان ربا الجاهلية؛ فيقول: يحرم ربا النسيئة فيما اتفقا في علة ربا الفضل، في كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، اتفقا في العلة، ولو لم يكونا من جنس واحد، فيحرم فيهما النَّساء، صورة ذلك: لا تبع صاع تمر بصاعين زبيبا نساء، يجوز يدا بيد؛ صاعا بصاعين، صاع زبيب بصاعين تمر، يجوز يدا بيد، وذلك لاختلاف الجنس، ولكن لا يجوز نساء؛ لأن في حديث عبادة: فإذا اختلفت هذه الأصناف فبعوه كيف شئتم، إذا كان يدا بيد فيعم بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، أي: إذا كان مكيلين؛ البر مكيل، والشعير مكيل، اتفقا في العلة وهي الكيل، فلا يباع أحدهما بالآخر إلا يدا بيد، إذا بيع بر بشعير يشترط شرط واحد، وهو التقابض، ولا يشترط التماثل.

    فيجوز أن تبيع خمسة أصواع بُر بعشرة أصواع شعير، ولكن يدا بيد، لا يجوز النساء، لا يجوز أن تقول: أعطيك -الآن- خمسة أصواع بر، وتعطيني بعد عشرة أيام عشرة أصواع شعير، لا يجوز ذلك؛ لأن العلة واحدة، وهو أن هذا مكيل، وهذا مكيل.

    وكذلك بقيت المكيلات؛ فمثلا: صاع من الهيل بخمسة أصواع من القهوة يجوز، ولكن يدا بيد، ولا يجوز أن تقول: أعطيك -الآن- صاعا هيلا، وتعطيني بعد عشرة أيام، أو عشرين يوما خمسة أصواع من القهوة، لا بد أن يكون يدا بيد.

    وهكذا بقيت المكيلات، حتى ولو تكون من القوت؛ فمثلا: الحلب، أو الشرميز الذي هو الحبة السوداء مكيل، مكيل عندنا، ومطعوم عند الشافعي، فهو ربوي؛ فإذا قلت مثلا: أعطيك -الآن- صاعا من الحبة السوداء، وتعطيني بعد خمسة أيام صاعين من الحلب، أو من الحلف الذي هو الرشاد، أو ما يسمى بالحب الحار، أو ما أشبهه فلا؛ لأن العلة واحدة؛ وهو أنه مكيل بمكيل.

    وكذلك أيضا إذا اتفق في الوزن، إذا كان هذا موزون وهذا موزون، وكان هذا جنس وهذا جنس؛ فمثلا: اللحوم موزونة، فإذا قال: أعطيك -الآن- كيلو لحم غنم، وتعطيني غدا أو بعد غدا كيلوين لحم إبل، لا يجوز. أما إذا كان يدا بيد كيلو بكلوين يجوز؛ إذا كان يدا بيد، ولو تفاوت؛ لأن هذا جنس وهذا جنس. وهكذا مثلا إذا قال: أعطيك كيلو لحم سمك، بكلوين غدا، أو بعد غدا لحم دجاج لا يجوز إلا يدا بيد.

    فيجوز فيه التفاضل، ولا يجوز فيه النساء، وكذلك مثلا إذا قال مثلا: رطل أو عشرين جرام ذهب بمائة جرام فضة، يجوز يدا بيد، ولا يجوز فيه النساء، وكذلك حديد بنحاس يجوز فيه التفاضل، ولا يجوز فيه النساء؛ إذا بعت مثلا كيلو حديد بكلوين نحاس، يجوز يدا بيد، ولا يجوز أن يكون نساء؛ لأن العلة واحدة، وأشبه ذلك كالقطن مثلا بالصوف؛ إذا بيع مثلا رطل قطن، أو كيلو قطن بكلوين صوف، أو بالعكس، يجوز يدا بيد، ولا يجوز نساء، ولو -مثلا- بعد الجلوس بنصف ساعة. هذا ما نقوله ربا النسيئة، يحرم فيما اتفق في علة ربا الفضل؛ عندنا مثلا اللحم والقطن، ما العلة فيهما؟ الوزن، فلا يباع قطن بحديد إلا يدا بيد، ولا يشترط التماثل.

    وكذلك مثلا الرصاص بالنحاس العلة فيهما ما هي؟ الوزن فلا يباع رصاص بنحاس إلا يدا بيد، يجوز التفاضل، ولا يجوز النساء، يعني: التأخر.

    وكذلك ما ذكرنا، لو عرفنا مثلا أن الفلفل والزنجبيل العلة فيهما واحدة، وهي الكيل، فيباع أحدهما بالآخر متفاضلا، ولا يجوز النساء، لا بد أن يكون يدا بيد، مكيل بمكيل، يعني مثلا: هيل القهوة لا يجوز إلا يدا بيد، موزون بموزون، حديد برصاص لا يجوز نساء، إلا إذا كان الثمن أحد النقدين فإنه يجوز، وذلك للضرورة، إذا كان الثمن أحد النقدين.

    النقود هي الدراهم تصنع من الفضة، والدنانير تصنع من الذهب، يعني: الدرهم قطعة صغيرة من الفضة، يتعاملون بها. النصاب منها مائة درهم كما هو معروف، وتساوي بالريال السعودي ستة وخمسين الريال الفضي، وتساوي بالريال الفرنسي اثنين وعشرين ريالا فرنسيا، والريالات الفرنسية والسعودية موجودة عند الصيارفة. هذا مقدار الدرهم، الدرهم العربي.

    وأما الدينار، فالدينار قطعة من الذهب، صغيرة أيضا، وتساوي أربعة أسباع الجنيه السعودي. الجنيه السعودي مصنوع من الذهب، والموجود -الآن- عند الصيارفة أربعة أسباعه دينار، ولذلك قالوا: نصاب الذهب بالجنيه السعودي: أحد عشر جنيها وثلاثة أخماس الجنيه، أحد عشر جنيها وثلاثة أخماس، مع أنها بالدينار عشرين دينارا، فيعرف بذلك الفرق بين الجنيه، وبين الدينار العربي. النقود دراهم ودنانير.

    وكذلك أيضا الفلوس قطع صغيرة من النحاس تسمى: فلوسا، وهي أيضا نقود، يشترى بها الأشياء الرخيصة، وشبيهة بما يسمى عندنا بالهلل؛ الهلل قطع صغيرة من النحاس توجد في البنوك، وعند الصيارفة، هي أيضا من النقود، ويتعاملون أيضا بقطع صغيرة من النحاس اسمها: دواميق، واحدها دامق، الهلس ستة دوامق. هذه هي النقود، النقود المضروبة.

    ثم يعرف أن الذهب أول ما يستخرج من الأرض مختلط، يكون فيه أخلاط من نحاس، ومن حديد، ومن تراب ماذا يسمى قبل أن يصفى؟ يسمى: تبرا قبل أن يصفى، في هذه الحال يجوز بيعه بفضة، ولا يجوز بيعه بذهب، وذلك لعدم تحقيق المساواة؛ لأن مثلا إذا كان ربع كيلو من التبر، لا ندري كم خلطه من النحاس؟ وكم خلطه من التراب؟ فلا بد أن يصفى، ماذا تسمى تصفيته ؟

    تسمى سبكا؛ السباك: هو الصائغ عندنا، الذي يصوغ أو يصفي، يقول الشاعر:

    ســبكناه ونحســبه لجينــا

    فألفى الكير عن خبث الحديد



    السبك: هو التصفية، تصفية ذلك التبر، يدخل في الكير، ثم يحمى عليه فيذوب، يذوب الحديد في جانب ويتجمد، ويذوب الذهب ويتجمد ما فيه، ويتبقى التراب والحجارة ما تذوب، فيعرف بذلك مقدار ما فيه من النحاس، وما فيه من التراب، وما فيه من الذهب.

    اللجين اسم للذهب فالعرب تسميه لجينا، وفي قول الشاعر:

    عيـون مـن لوجين شاخصات

    بأحذاق هي الذهب السبيك



    فإذا صفي الذهب من هذا الخلط ماذا يسمى؟ يسمى: مسبوكا "سبكناه ونحسبه لجينا" يعني: أدخلناه الكير حتى نسبكه، فإذا صار قطعا من ذهب سمي سبائك، يعرفونها يقولون: سبائك الذهب، يعني: قطع الذهب الخالصة من الخلط، ففي هذه الحال إذا كان مسبوكا صافيا من الأخلاط، فإذا بيع بذهب فلا بد أن يكون مثلا بمثل، وإذا بيع بفضة فلا بد أن يكون يدا بيد، إذا بيع بموزن.

    وكذلك إذا بيع مثلا وهو سبائك بحديد، أو بقطن، أو بنحاس، فلا بد أن يكون يدا بيد، وذلك لأن العلة واحدة، وهي كون هذا موزونا، وهذا موزونا، فالصائغ يأخذ هذه السبائك، ثم يصوغها، يجعلها مثلا صوغ؛ الصوغ: هو ما يلبس، يعني: يصوغها خواتيم في الأصابع، يصوغها أسورة في الأيدي، يصوغها قلائد في الرقاب، يصوغها أقراطا في الأذن، ففي هذه الفائدة يعني: مصوغا، فإنه أيضا على المشهور لا يباع إلا مثلا بمثل، يعني: وزن ذهب يوزن ذهب، يعني: هذا مصوغ، وهذا مسبوك، لا يباع إلا مثلا بمثل، وزنا بوزن، يدا بيد.

    وإذا بيع وهو مصوغ بدراهم فلا بد من التقابض قبل التفرق، لا يجوز فيه النساء، وذلك لأن العلة واحدة، وهو أن هذا موزون، وهذا موزون، ثم يضرب بعد ذلك، يضرب دنانير، أو يضرب جنيهات في هذه الحال ماذا يسمى؟ يسمى: مضروبا؛ تجدون مكتوبا على الريال: ضرب في مكة المكرمة، أو ضرب في كذا وكذا، يعني: جعل على هذه الحالة، التي هي كونه نقدا، فإذا كان مضروبا سمي: نقدا، وأما إذا كان مصوغا، أو مسبوكا، أو تبرا، فلا يسمى نقدا؛ النقد: هو الذي ضرب دراهم إذا كان من فضة، أو دنانير إذا كان من ذهب، أو جنيهات الآن، وريالات فضية.

    فبهذا يعرف الفرق بينهما، فالحاصل أن العلة في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس؛ فإذا بيع ذهب بفضة فلا بد أن يكون يدا بيد، ولا يجوز فيه النساء، والأدلة عليه كثيرة منها ما في حديث عبادة أنه قال: إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد وفي حديث أن عمر سمع طلحة جاءه رجل، ومعه دنانير، فعرضها عليه؛ ليشتريها بدراهم، فاشتراها، تفاوضا، واتفقا على الثمن، وأن يعطيه البعض، وقال: الباقي آخر النهار، إذا جاءتني جاريتي، أو خادمي، أو خازني، سمع ذلك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فقال: والله لا تفارقوه حتى تستلم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهانا عن بيع الذهب بالفضة إلا يدا بيد

    ومن الدليل عليه أيضا: حديث عبد الله بن عمر قال: كنا نبيع الإبل بالبقيع، فنبيع بالدراهم ونأخذ بالدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم، فسألنا النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: لا بأس ما لم تفترقا وبينكما شيء فإذا كان راس المال من النقدين المضروبين جاز النساء، والناس في حاجة إلى ذلك؛ فأنت مثلا تشتري عشرة كيلو لحم، وليس معك ثمن، معلوم مثلا أن اللحم موزون، وأن الدراهم موزون، فلذلك موزون بموزون يقول: لا بد أن يكون يدا بيد؛ لأن العلة واحدة، ولكن لما كان أحد النقدين، وهو الثمن من المضروب، يعني: من النقدين تسومح في ذلك، فجاز أن يكون الثمن غائبا.

    دراهم مثلا: مائة تشتري بها عشرة كيلو لحم، أو عشرة كيلو حديد، أو قطن أو ما أشبه ذلك.

    ويأتينا أيضا في السلم أنه يجوز في الموزونات، السلم: هو كون الثمن حاضرا والمثمن غائبا، فيجوز في الموزونات، مع أن العلة واحدة، فتقول لإنسان مثلا: أشتري منك بذمتك مائة رطل حديد؛ كل رطل بخمسة، أعطيك الثمن الآن، وتعطيني الأرطال بعد سنة، أو نصف سنة، يسمى هذا: سلما، ومع ذلك الدراهم علتها الوزن، والحديد علته الوزن، وكذا القطن واللحم وما أشبه ذلك، فيجوز إذا كان أحد العوضين من النقدين المضروبين. انتهينا مما يتعلق بالنساء.

    يقول: إذا بيع مكيل بموزون جاز مطلقا، وذلك لعدم الاتفاق في العلة يجوز فيه النّساء، فيجوز أن تقول مثلا: أشتري منك عشرة أصواع بر بخمسة كيلو لحم، ولكن لا بد أن يكون أحد العوضين حاضرا، لئلا يكون بيع دين بدين، لا يجوز بيع الدين بالدين؛ فإذا قلت مثلا: أعطني عشرة أصواع بر، ثمنها خمسة كيلو لحم، خمسة كيلو لحم ما هي عندي، آتيك بها غدا، أو بعد خمسة أيام، أو بعد شهرا يجوز ذلك؛ لأن هذا مكيل، وهذا موزون؛ اللحم موزون، والبر مكيل، فلما اختلفت العلة جاز النساء.

    لكن لا يجوز أن يكون العوضان غائبين؛ لأنه ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يباع الدين بالدين نهى عن بيع الكالئ بالكالئ، يعني: الغائب بالغائب، فلا بد أن يكون أحد العوضين حاضر؛ إذا كانت مثلا البر حاضرا واللحم غاب، أو بالعكس.

    كذلك صرف ذهب بفضة، الذهب جنس والفضة جنس، ولكن العلة فيهما ما هي؟ العلة عندنا الوزن، كونهما موزني جنس. فصرف الدراهم بالدنانير، أو بيع الذهب بالفضة اتفق في علة واحدة، وهي الوزن، فلا يجوز أن يباع أحدهما بالآخر إلا يدا بيد.

    معلوم أن الذهب أغلى من الفضة، فإذا صرفت مثلا ريالات فضة، يعني: جنيه مثلا بخمسمائة ريال فضة أو بمائة ريال فضة، فلا بد من التقابض قبل التفرق؛ لأن العلة فيهما واحدة وهي أن هذا موزون وهذا موزون. وعند الأئمة الآخرين أن هذا ثمن، وهذا ثمن، يعني: نقد، أنهما من النقود التي تستعمل قياما بالسلع، تقدر بهما السلع، وقد يحتاج الإنسان مثلا إلى صرف، ولا يجد الصيرفي الثمن كاملا.

    الحيلة في ذلك إذا قال مثلا: أشتري منك هذا الجنيه بخمسمائة، ولكن ما وجدت -الآن- إلا مائة وخمسين، في هذه الحال لا يجوز التصرف إلا بعد التقابض، لكن إذا كنت محتاجا إلى هذه المائتين وخمسين حاجة ضرورية تترك الجنيه عنده، وتقول: الجنيه عندك أمانة، وهذه المائتين وخمسين اعتبرها نقدا، أو قرضا منك، واعتبر الجنيه رهنا عندك، وإذا أتيتك بعد غد، وقد وجدت الدراهم أحاسبك على ما في ذمتي من المائتين والخمسين، وتعطيني بقية قيمة الجنيه، تتصارف تصارفا جديدا فإذا جئت غدا، وإذا الجنيه قد رخص لا يساوي إلا أربعمائة وخمسين، فيقول: الآن يساوي أربعمائة وخمسين، عندك لي مائتين وخمسين وبقي لك مائتين، خذ هذه المائتين بقيتها، نتصارفه من الآن، تصارفنا من الأمس لا يعتبر، ذلك لأنه لم يحصل التقابض من الطرفين، حصل من طرف واحد، يمكن أن يعتبر هذا، ويمكن أن يعتبر شيء آخر، وهو أن تقول: الآن صارفتني على نصف الجنيه، والنصف الثاني أمانة عندك، ولا تتصرف، فيه فإذا جئته بعد غد، وإذا السعر قد انخفض فإنه يعطيك قيمة نصف الجنيه الذي قد أعطاك نصفه، بالغة ما بلغت، إذا النصف أصبح لا يساوي إلا مائة وخمسة وعشرون، يقول: الآن الجنيه ما يساوي إلا أربعمائة وخمسين، وعندي لك نصف جنيه؛ النصف الأول قد قبضته قيمته، فأعطيك قيمة النصف الباقي الذي هو مائتان وخمسة وعشرون.

    وهكذا لو ارتفع السعر، وأصبح يساوي ستمائة، فإنك تقول: عندك لي ستمائة، وقد وصلني منك مائتان وخمسون، مائتان وخمسون قيمة النصف، والنصف الباقي كم قيمته؟ ثلاثمائة، يحاسبك على ثلاثمائة، ولا يحاسبك على النصف الأول، أنت قبضت نصف الجنيه مائتين وخمسين، والنصف الباقي زادت قيمته، فأصبح يساوي ثلاثمائة، يعني: أصبح يساوي الجنيه ستمائة، فيعطيك قيمة النصف الذي عنده، يصح ذلك.

    ويكثر في ذلك أيضا بيع الذهب: معروف مثلا أن الذهب علته الوزن وأن الفضة علتها الوزن، فاتفق في العلة، فلذلك لا يباع الذهب بفضة إلا يدا بيد، فعلى هذا إذا احتجت مثلا إلى شراء ذهب، وطلب من أصحاب الذهب ما قيمته هذا؟ مثلا مائتين جرام من الذهب مصوغة قلائد ورشارش، وما أشبهها، حسب الجرام مثلا بمائة، فهذه المائتي جرام أصبحت مثلا عشرين ألفا.

    ويدخل في ذلك -أيضا- بيع الذهب، معروف -مثلا- أن الذهب علته الوزن، وأن الفضة علتها الوزن، فاتفقا في العلة، فلذلك لا يباع ذهب بفضة إلا يدا بيد، فعلى هذا إذا احتجت -مثلا- إلى شراء ذهب، وطلبت من أصحاب الذهب ما قيمته -مثلا- مائتي جرام من الذهب مصوغة قلائد أو رشارش أو ما أشبهها حسب الجرام -مثلا- بمائة .

    فهذه المائتين مائتي جرام أصبحت -مثلا- عشرين ألفا، ففي هذه الحال ما وجدت إلا عشرة آلاف عشرة الآلاف قيمة خمسين جراما، الخمسين الباقية يكتبها في ذمتك ذهبا، فيقول: في ذمة فلان خمسين جراما ذهب مصوغة من عيار كذا وكذا، ولا يقول: عشرة آلاف، بل يقول: خمسين جراما، وهكذا إذا أتيته بعد غد أو بعد خمسة أيام، وإذا السعر قد انخفض، فإنك تحاسبه بخمسين جراما على سعرها وقت القضاء، وكذلك لو ارتفع تحاسبه وقت القضاء على سعرها وقت تسليم الثمن، لا على سعرها بالأمس أو قبل الأمس.

    ويسمى هذا صرفا بعين وذمة، بمعنى أن في ذمتك أو عندك له خمسين جراما معروفة، وتريد الآن أن تقضيه ثمنها، اقضه كأنك تشتريها منه الآن تقول: أشتري منك خمسين جراما الآن بقيمتها عينا وذمة، ولا تحسب على ثمنها بالأمس؛ وذلك لأنه يصير دينا، يعني: ذهب بفضة، وأحدهما غائب؛ ولهذا يقول: إذا افترق المتصارفان بطل العقد فيما لم يقبض، هذا مثال له افترق المتصارفان بطل العقد، فيما لم يقبض يعني: مثلنا أنك قبضت مائتين وخمسين نصف جنيه، وبقي النصف الذي هو مائتان وخمسون، لا تكتب في ذمتك مائتين وخمسين، بل اكتب في ذمتك نصف جنيه، أو عندي لفلان نصف جنيه بطل العقد في النصف، وصح العقد في النصف.

    وكذلك أيضا في مثالنا هذا في الذهب: إذا قلنا -مثلا- إنك بحاجة إلى أن تشتري عشرين جرام أو مائة جرام، وتقول -مثلا-: كل جرام بمائة، ولم تجد إلا نصف القيمة، فالباقي تكتبه عندك جرامات، وتقول: عندي لفلان عشرين جراما أو عشرة جرام من الذهب الذي لم يقبض ثمنه تعده أمانة عندك إذا أتيته غدا تحاسبه على سعر الغد أي على سعر وقت إحضار الثمن لا على سعرها بالأمس، فهذا معنى قوله: بطل العقد فيما لم يقبض.

    أما الذين يستبدلون ذهبا قديما بذهب جديد، فلا بد في هذه الحال أن يبيعوا الذهب القديم بالدراهم، ثم يشترون بالدراهم ذهبا جديدا، والعادة أن أهل الذهب يفرقون بينهما، فيشترون -مثلا- الذهب القديم الجرام بخمسة وأربعين، ويبيعون الذهب الجديد الجرام بخمسين أو خمسة وخمسين.

    في هذه الحال صاحب الذهب يشتري منك الذهب القديم، فيقول: هذا الذهب القديم اشتريته الجرام بخمسين أو بخمسة وأربعين، قيمته أربعة آلاف أنت تريد ذهبا جديدا، عندي لك الآن أربعة آلاف، تشتري مني بعتك، فإذا قلت: نعم أشتري منك هذا الذهب الجديد وزنه، وإذا قيمته خمسة آلاف تحاسبه على الأربعة التي في ذمته ثمن الذهب القديم، وتزيده الألف الذي هو ثمن الزائد الذي هو ثمن الجديد أو الزيادة على ثمن الجديد، فيكون قد حاسبته على ما في ذمته ـ من ثمن الجديد ـ من ثمن القديم وعلى ثمن الجديد.

    وأما أن يكون ذهب بذهب ومعه زيادة، فلا يجوز فإذا قال -مثلا-: أنا أشتري منك هذا الذهب بهذا الذهب، وأعطني زيادة هذا -مثلا- وزنه مائة جرام، ولكنه مستعمل، وهذا وزنه مائة جرام، ولكنه جديد، فيأخذ القديم، ويعطيك الجديد، ويقول: أعطني معه زيادة مع الذهب أعطني ألفا أو خمسة آلاف، هل يجوز؟ هذا لا يجوز ذهب بذهب وزيادة، لا يجوز بأن يشتري الذهب القديم بدراهم، إما أن يدفعها لك وتشتري منه أو من غيره، وإما أن يبيعك وتحاسبه على ما في ذمته لك من ثمن الذهب القديم يقع الناس في أخطاء مثل هذا ها هنا -أيضا- نعرف أن الفضة لا يتعامل بها الآن، وإنما يتعاملون بالأوراق، وقد اختلف العلماء كثيرا في هذه الأوراق هل هي يعني: ذهب ننزلها منزلة الذهب أو ننزلها منزلة الوثائق والأسناد؟.

    وأكثرهم على أنها أسناد ليست ذهبا، وإنما هي مثل الوثائق، ولذلك لا تستعملها أو لا تخرجها الحكومات والدول إلا إذا كان عندهم لها رصيد، فإذا لم يكن لها رصيد فلا قيمة لها، فعرف بذلك أنها مثل الوثائق والأسناد التي تقوم مقام ما جعلت بدلا عنها، كان بعض المشائخ يجعلها نقودا حتى في الزكاة، فيقول: إنها قائمة مقام الفضة، فإذا كان نصاب الفضة ستة وخمسين، فنصابها -أيضا- من الأوراق ستة وخمسون، من كان عنده ستة وخمسون، فإنه غني لا تحل له الزكاة، ويعتبر -مثلا- أن هذا نصاب ستة وخمسين ريال ورق يعتبر عليه زكاة، هكذا كان يرى ذلك الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله- ولكن الأكثرون على الفرق بين الأوراق النقدية وبين الدراهم الفضية، وكذا الدراهم المعدنية.

    وقد جرى أيضا أسئلة عن صرف الريالات الورقية بالريالات المعدنية بزيادة، فهل يجوز ذلك أم لا؟ فبعض المشايخ تشددوا، قالوا: لا يجوز ومنهم الشيخ عبد الرزاق -رحمه الله- فيقول: هذه ريالات اسمها ريال، ولو كانت أوراقا، وهذه ريالات اسمها ريالات، ولو كانت معادن، وهذه اسمها ريالات، ولو كانت من فضة، يكتبون على كل واحد منها: إنه ريال.

    هذه فضة وهذه معدن وهذه ورق، فلا يجوز أن يباع بعضها ببعض إلا متماثلا مثلا بمثل، عشرة بعشرة، والذين قالوا: إن الريالات الورقية تعتبر أسنادا أجازوا المفاضلة بينها وبين الريالات المعدنية والريالات الفضية.

    وذلك لأنها أغلى عند العامة، العامة يفضلون الريالات الفضية على المعدنية، ويفضلون المعدنية على الورقية، هذا معروف عند العامة، وسبب ذلك أن الريالات المعدنية تبقى أكثر من بقاء الريالات الورقية؛ الورقية عرضة للتلف، كما يقول بعضهم في إنسان يحثه على حفظ المتون وعدم الاعتماد على الكتب فيقول فيها:

    الماء يغرقها والنار تحرقها

    والفأر يخرقها واللص يسرقها



    يعني: أن هذه الأوراق عرضة للتلف كثيرا ما. .. ينصرف بعض الذين خزنوا أوراقا في زوايا نسوها، ثم أكلتها الأرضة، وتلفت تلف عليهم مئات الألوف، لما تركوا هذه الزوايا، لو كانت من الفضة أو من المعدن، ما أتى عليها التلف يعني: ما أكلتها الأرضة، ومشاهد أيضا أنه إذا بطل التعامل بالريالات الفضية أمسك يعني: صرفت أو صيغت حليا خواتم من فضة، وأسورة من فضة كذلك أيضا الريالات المعدنية، إذا بطل التعامل بها أمكن أنها تصاغ، إما أواني، وإما عملة أخرى، فينتفع بها،.

    وأما الريالات الورقية إذا بطل التعامل بها، فليس لها إلا الإحراق، لا ينتفع بها، بل تحرق فمن هذه الوجوه، الراجح أنه يجوز المفاضلة في الصرف يعني: إذا كان الإنسان. .. بريالات معدنية، يعني: عملات الهواتف ونحوها أنه يجوز أن يدفع زيادة، يدفع للذي يصرف عن -مثلا- يشتري تسعة بعشرة، وأيضا فإن الريالات المعدنية لا توجد عند كل أحد، إنما الذي يريدها يذهب -مثلا- إلى المؤسسات، أو إلى بعض البنوك، ربما أنه يستأجر سيارة بعشرين ذهابا وإيابا أو بأربعين، ثم إذا كان معه -مثلا- أربعة آلاف من الأوراق من فئة خمسمائة -مثلا- قبضها بيده، فإذا حولها إلى معادن أصبحت كيسا ربما لا يحمله إلا واحد قوي أو اثنان، فيكون لحملها مئونة فيكون هذه المئونة وهذا التعب مبررا في أنه يبيع التسعة بعشرة.

    وأيضا هناك حاجة ليس كل أحد يجد أن يستطيع أن يذهب لصرفها يعني: -مثلا- كذلك أيضا بالنسبة إلى صرف عملة بعملة هذا أيضا يحصل فيه تساهل فمثلا: عندنا الريال السعودي، وهناك في قطر ريال قطري، وفي اليمن ريال يمني، كلها اسمه ريال، ولكن تختلف القيمة، فيجوز المفاضلة ولا يجوز النسأ، فإذا صرفت ريالات سعودية بريالات قطرية جاز التفاضل، ولم يجز النسأ، بل لا بد أن يكون يدا بيد، تسلم وتستلم وهكذا أيضا بغير ريالات .

    مثلا: الدولار الأمريكي مستعمل في جميع الدول غالبا، فإذا أردت أن تحول ريالات فضية ريالات سعودية إلى دولارات أمريكية، فلا بد من التقابض، التفاضل معروف أن الدولار أغلى من الريال، ففي هذه الحال يجوز التفاضل، ولكن لا يجوز النَّسَاء، بل لا بد أن يكون يدا بيد، سواء اتفق الاسم كريال سعودي بريال قطري، أو لم يتفق كريالات سعودية بدولارات أمريكية أو بجنيهات مصرية -مثلا- أو بدنانير كويتية -مثلا- كلها لا بد فيها من التقابض.

    إذا صرف هذا بهذا إذا أردت -مثلا- أن تحول هذا الدينار الكويتي إلى ريالات سعودية، فإنك تستلم وتسلم في مجلس العقد، ولو اختلفت القيمة بعد يومين، فإنه يرجع إلى اختلاف القيمة، فمثلا: أنك قلت -مثلا- عندي هذا الدينار الكويتي أريد أن تعطيني به ريالات سعودية فقال -مثلا-: بعشرة، ولكن لم يجد إلا خمسة، أعطاك خمسة، ماذا يكتب في ذمته؟ يكتب في ذمتي نصف دينار كويتي لفلان إذا جئته من الغد، وإذا الريال قد نقصت قيمته، فأصبح -مثلا- الدينار يساوي اثني عشر ريالا، أو ارتفعت قيمته فأصبح الدينار يساوي ثمانية.

    في هذه الحال يعطيك صرف النصف بسعر اليوم، إن كان قد انخفض يعني: انخفضت قيمته أصبحت تطالبه بستة، وإن كان قد ارتفع أصبحت تطالبه -مثلا- بثمانية تطالبه بنصف الثمانية، وهكذا لا بد إذا انصرفت إحداهما بالأخرى أن يكون يدا بيد، وأما إذا أردت نقله إلى بلاد أخرى، ففي هذه الحال إذا أردت -مثلا- أن ترسل هذه الريالات -مثلا- عشرة آلاف ريال ترسلها -مثلا- إلى باكستان أو إلى مصر، فباكستان عندهم الروبية ومصر عندهم الجنيه في هذه الحال تودعها عندهم وديعة، ويعطوك سندا، وتأتي إلى فرعهم الذي في مصر، وتقول: إن عندكم لي عشرة آلاف ريال سعودي أعطوني صرفها بسعر اليوم، لا بسعرها في الرياض، فتتفق معهم على سعرها بذلك المكان، ولهم أن يزيدوا عليك، وذلك لأنهم نقلوها لك من الرياض إلى مصر أو إلى باكستان مثلا.

    ويجوز أن تصرفها -مثلا- فتقول: هذه الريالات أريد تحويلها إلى جنيهات مصرية أو إلى روبيات باكستانية، فيعطونك الصرف يدا بيد، يعطونك الجنيهات المصرية، فتستلمها أو الروبيات -مثلا- أو الدنانير، فتستلمها، وإذا استلمتها تحولها عندهم أو عند غيرهم إلى مصر أو إلى الباكستان أو إلى الشام أو إلى اليمن، وإذا حولتها، فإن ذلك جائز، ولو أخذوا عليك أجرة عن نقلها ننتهي من الصرف.

    نبدأ في بيع الأصول والثمار، وهو سهل يعني: تصوره يكفي فيه فيسمى هذا بيع العقار، العقار هو الذي لا ينقل يعني: بيع الدار والبستان والأرض يسمى عقارا؛ لأنه لا يمكن نقله، فالعقار إذا كان دارا إذا بعته هذه الدار ماذا يدخل في البيع تدخل الأرض، ويدخل البناء، الحيطان -مثلا- ويدخل السقف الذي يظلها وتدخل الأبواب المنصوبة، ويدخل السلم عادة أن السلم يصير مُسَمَّر، قد يكون من خشب، وقد يكون من حديد، ولكن يسمرونه في الأرض ـ يحفرون. .. لأصله -مثلا- يحفرون لأعلاه في الجدار، ويجعلونه قائما مقام الدرج، فيكون داخلا في البيع .

    أما إذا لم يكن مسمرا، بل ينقل من مكان لمكان، فلا يدخل في البيع، وكذلك الرف، الرف المسمر، عادة أنهم يسمرون خشبة في الزاوية -مثلا- خشبتين أو ثلاثا، ثم يجعلونها مكانا لرفع بعض الأقمشة أو بعض الأواني فهذا ـ الرف ـ الأخشاب التي هي مسمرة هذه مربوط عليها في الباب أو في المزار تدخل في البيع.

    والخابية المدفونة الخابية: عبارة عن شبه خزان أو شيء يحفر له في الأرض، ثم يجعل فيه شيء يخزن، إما -مثلا- ما يسمى بـ... شبيه بالأزيار يغلق بابه، ثم يجعل فيه ماء لحفظه -مثلا- أو نحو ذلك، قد تكون من طين أو من جلود تجعل في جوف الأرض تدفن.

    والضابط أن كل شيء مسمر، فإنه يدخل في البيع، ولو كان يمكن قلعه كما في هذه الأزمنة، ففي هذه الأزمنة يمكن أن يقلع الباب، ويركب ويمكن أن تقلع النافذة زجاج النوافذ وتركب، ولكن الأصوب أنها مركبة للبقاء ففي هذه الأزمنة يدخل الشيء الثابت الشيء المسمر، فعندنا -مثلا- الأنوار أي الكهربائية تدخل في البيع ذلك لأنها مسمرة ومثبتة، وكذلك المكيفات المسمرة أيضا تثبت.

    أما إذا كانت تنقل من مكان لمكان، فلا تدخل في البيع، ولا يدخل كل شيء يمكن نقله، مثل: الفرش والكنب، هذه ما تدخل في البيع؛ لأنه يمكن نقلها، وكذلك الثلاجة والغسالة وأدوات المطبخ والأواني وما أشبهها، هذه لا تدخل، كالون القفل لا يدخل، وذلك لأنه يمكن نقله، لا قال: قبل أن توجد الكوالين هذه، هذه تعتبر مسمرة في الباب، وأما قديما فالقفل يعلق وكقفل الحقائب ونحوها، فيقول: هذا لا يدخل ذلك؛ لأنه يمكن نقله.

    وأما المفتاح فإنه تابع للقفل، فإن كان القفل ينقل، فالمفتاح تابع له، وإن كان القفل مثل هذه الأقفال الكوالين، فإنه تابع له ويدخل، وكذلك أيضا قديما كانت الأبواب فيها ما يسمى بالوزرا والوزرا أيضا له مفتاح.

    والصحيح أن المفتاح تابع للوزرا، الدلو: إذا كان فيها بئر وعليها دلو، فالدلو ما يدخل؛ لأنه ينقل وكذلك البكرة، البكرة شبيهة الدراجة يعني: توضع على طرف على أعلى البئر تسمى عند العامة. ..المحَّالة، وعند البوادي الجارة و... تسمى البكرة التي يكون لها أسنان، ويوضع عليها الحبل، وتجر عليها الدلاء، هذه أيضا تنقل؛ لأنها معقودة بحبال، وإذا كان المبيع أرضا، فإنه يدخل في البيع .

    يدخل فيه القرار قرار الأرض، وكذلك ما فيها من الغرس إذا كان فيها غرس، الغرس مثل الشجر الذي له ساق كالنخل والتوت والرمان والتين والأترج والتفاح والموز يعني: الذي يقوم على ساق هذا يسمى غرسا، ويدخل في ذلك أيضا المباني إذا كان فيها حجر مبنية -مثلا- أما إذا كان فيها زرع فلا يدخل في البيع إلا إذا اشترطه، وكذلك بذره إذا كان فيها بذر، فهذا البذر على الذي بذره، وهو البائع إلا إذا اشترط ذلك المشتري، كذلك أيضا يصح مع الجهل، يعني: ولو كان جزر مدفونا في الأرض، فإنه يعفى عنه، يعفى عن جهالته، فإذا اشترطه المشتري دخل في البيع .

    أما إذا كان فيها شيء يجذ ويلقط مرارا مثل البرسيم؛ فأصوله للمشتري والجذة الظاهرة للبائع، وكذلك إذا كان يلقط إذا كان -مثلا- يلقط مرارا كالباذنجان والطماطم فهذه الجذة أو هذه اللقطة الموجودة التي قد نضجت للبائع يأخذها والباقي للمشتري الجذة يعني: مثل جذة البرسيم، واللقطة مثل لقطة الطماطم أو لقطة الباذنجان أو الكوسة -مثلا- أو البامية .

    الأشياء التي تلقط إذا ظهرت، فإذا كانت ظاهرة فهي للبائع إلا إذا اشترط ذلك المشتري لحديث المسلمون على شروطهم فتدخل في البيع بقية الباب مع باب السلم نقرؤه غدا إن شاء الله.

    س: هذه سائلة تقول: إنها معلمة وراتبها ولله الحمد أكثر من راتب زوجها تقول: وإذا فإن زوجي لا يقدر على توفير ما نحتاجه فأنا -مثلا- عندما أريد السفر إلى مكة المكرمة، فإن زوجي لا يقدر براتبه أن يسافر معي، فإذا فأنا أساعده وأقول له: سوف أقرضك على أن تسافر -مثلا- أو نشتري أثاثا للبيت، وإذا قدرت عليه في الشهر المقبل ترده علي، فهل هذا يا شيخ يدخل في الحديث: أي قرض جر نفعا فهو ربا ؟

    ج: لا يدخل في ذلك أصل أن الزوجين كبيت واحد يتسامح فيما بينهما لا شك أنها تساعد زوجها وتعطيه وتقرضه ونحو ذلك ولا حرج في ذلك إذا قالت: أقرضك على أن تصحبني كمحرم لي يعني: أو -مثلا- أدفع الأجرة عنك أو ما أشبه ذلك، إذا كان لها دخل أكثر من دخل زوجها، وقد تراضيا على ذلك فلها أن تعطيه ولها أن تقرضه.

    س: يقول: فضيلة الشيخ، أحسن الله إليكم، نحن في هذا العصر قد انقرضت تلك الدنانير والجنيهات، وقد لا يعرف الكثير التعامل معها في هذا العصر، وقياسها على الريالات السعودية، ومثالها في العملات الحديثة، لماذا لا يكون هناك مؤلفات فيما نحن عليه الآن؟ وجزاكم الله خيرا.

    ج: كتب العلماء كثيرا فيما يتعلق بهذه العملات نشرات نشرت في مجلة البحوث، وكذلك أيضا في غيرها قد أكثروا إذا فذكروا يعني: ما جاء من الاختلاف، هل هي أسناد -مثلا- أو هي نقود قائمة مقام النقود فمن تتبعها وجدها.

    س: أحسن الله إليكم،، هذا يقول: ما حكم استخراج شهادات الصوامع، لا من أجل الزراعة وإدخال الحبوب بواسطتها، ولكن من أجل بيعها على المزارعين أو شراء القمح من المزارعين بقيمة أقل وإدخالها إلى الصوامع.

    ج: كل شيء فيه كذب أو تزوير ننهى عنه، فكونه -مثلا- يتخذ لهذه شهادة، وهو لا يريد أن يزرع أو -مثلا- يراجع ويقول: أعطوني فإن عندي أرضا، وأريد أن أزرعها، ولا يريد ذلك يعتبر هذا كذبا، فلا يجوز ذلك إلا لمن عزم على الزراعة -مثلا- أو عنده ما يقدر به وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا

    س: هذا سائل كتب أربعة أسئلة ويقول: إن الرجا عرضها لأهميتها بالنسبة له ولغيره، يقول: لدي بعض المحلات التجارية أبيع فيها الملابس، ولدي بعض التساؤلات حول زكاة هذه المحلات.

    أولا: هل أحصي البضاعة وما تحصل من أموال أم البضاعة فقط لإخراج الزكاة؟.

    ج: لا شك أن من عنده أموال أنه يزكيها إذا حال الحول، وإذا كان تاجرا -مثلا- فإن ربح التجارة داخل في رأس المال، ولو لم يتم حول للربح أو للأرباح، فمثلا: إذا كان متجره فيه عند ابتدائه عشرة آلاف، وعنده أموال أخرى -مثلا- ودائع في البنك أو في بيته -مثلا- مقدارها عشرة آلاف، والعشرة التي اتجر بها لما تم سنة، وإذا هو قد ربح ـ في طوال ـ في أشهر السنة عشرة آلاف -مثلا- يزكي ثلاثين ألفا، العشرة التي هي عنده من قبل كرأس مال، والعشرة التي قد أودعها، والعشرة التي هي ربح يجمع هذا إلى هذا.

    س: وسؤاله الآخر يقول: هل أحصي المال وقيمة البضاعة من أول السنة أم عند تمام الحول؟.

    ج: عند تمام الحول يقدر السلعة بقيمتها الإجمالية إذا تم الحول، فيقدر كم قيمة ما عنده من الأكيال أو قيمة ما عنده من الأطوال أو قيمة ما عنده من الأغذية -مثلا- بسعرها الحالي ثم يخرج زكاتها.

    س: أحسن الله إليك، السؤال الثالث يقول: هل أحصي قيمة البضاعة بحسب ما اشتريته أم بحسب ما أبيعه؟.

    ج: بحسب ما تساويه الآن سواء كان أقل من قيمة الشراء أو أكثر، ما تساويه الآن بيعه البيع المجمل.

    س: السؤال الأخير يقول: يكون علي دين نظرا لشراء بعض البضائع بالدين، فهل يدخل الدين في الزكاة أم أستثنيه من الزكاة؟

    ج: أهل الدين يزكون دينهم، وأنت تزكي ما عندك من المال، وتعتبر أو تسقط قدر الدين من المال الذي عندك إذا كان أهله يعرفون أن عندك رأس مال فإنهم يزكون دينهم.

    س: أحسن الله إليك، هذا سائل يقول: اشتريت سيارة بطاقة جمركية وذلك بالمؤجل، وكتبت العقد وذهب البائع، وذهبت أنا وبعت السيارة من معرض آخر بعد أن أخذت المفتاح من البائع، وشغلت السيارة في مكانها، ولكن لم أحرك السيارة من مكانها، فهل هذا العقد صحيح علما أنه لا يمكن رد السيارة في حالة بطلان هذا العقد. ..؟.

    ج: لا شك أنك أخطأت حيث لم تحول السيارة من مكانها وقبضها يكون بنقلها نهى أن تباع السلعة حيث تبتاع، فلا بد أن تنقلها وتحوزها من مكان إلى مكان، ومن معرض إلى معرض، وبكل حال حيث أنه لا يمكن، لا تعد لمثل ذلك إذا كان لا يمكن ردها.

    س: أحسن الله إليك، يقول: يعمل بعض الناس في هذه الأيام بتجارة العملات، أي: أنه يذهب هذا اليوم للبنك ويشتري -مثلا- الدولار الأمريكي بمبلغ معين ولا يستلم المبلغ بل يستلم سندا بذلك أو قسيمة إيداع في حساب وفي اليوم الآخر يقول: يبيعه بمبلغ -مثلا- أعلى قليلا عن طريق نفس البنك وبنفس السند وهو لا يستلم شيئا فهذا العمل جائز ؟.

    ج: ما يجوز، البنوك قصدهم من هذا تشجيع هؤلاء الذين يودعون عندهم أموالا طائلة، يقولون: أودع عندنا مائة ألف أو ألف ألف، ونحن نتصرف لك في هذا الشيء الذي هو بيع العملات مع أنه ليس هناك قبض، فيريدون بذلك إبقاء هذه الودائع عندهم حتى يستفيدوا منها، يخشون أنه يأخذها ويعطيها لمكان آخر أو نحو ذلك يشجعونه في نظرهم على إبقائها حتى تستمر، ويأخذون أرباحها نقول: في هذه الحال لا بد من الصرف إذا -مثلا- صرفتها، يعني: قلت -مثلا-: عندي مائة ألف ريال أو اصرفوها لي بدولارات، فلا بد أن يكون يدا بيد يسلمون لك الدولارات، وتسلم لهم الريالات، ثم إذا أردت أن تبيعها غدا بربح أو بخسران أن تبيع الدولارات، فلك ذلك، ويكون أيضا البيع يدا بيد.

    هناك بعض المشايخ رخصوا في قبض ما يسمى بالشيكات، وجعلوا قبض الشيك قائما مقام النقد، وكأنهم يقولون: إن هذا فيه تسهيل على الناس فيما إذا كان بحاجة إلى شيء كثير، ويستحيي أو يعجز عن حمل هذا المال معه... فيأتي أن يكتب فيه شيء، فيدخل في ذلك إذا اشترى إنسان ذهب بمائة ألف، ويقول: ليس من العقل أن أحمل مائة ألف معي، وأسلمها لصاحب الذهب، أعطيه شيك على رصيدي الذي في البنك، فيكون ذهبا بنقد أو ما يقوم مقام النقد، وكذلك أيضا في هذه المصارفة إذا انصرف لهم يعني: أعطاهم الريالات التي هي مائة ألف، وأعطوه شيك -مثلا- فيه ثلاثون ألفا من الدولارات أو نحو ذلك قيمتها، فلأن هذا يكون قائما مقام التفرق.

    س: أحسن الله إليكم،، يقول: فضيلة الشيخ، ألا ترون أهمية ترجيح أحد المذاهب في علة الربا لشدة الحاجة إلى ذلك في كل وقت، وما مدى صحة من رأى أن العلة مطلق الثمنية علة للربا وجزاكم الله خيرا.

    ج: ذكرنا أن هذا قول الجمهور إن الذهب والفضة العلة فيهما الثمنية، فعلى هذا لا تكون الموزونات التي ليست مطعومة، ولا قوتا لا تكون ربوية، يعني: يجوز بيع الحديد بعضه ببعض متفاضلا، وكذلك النحاس والقطن والغزل والصوف وما أشبه؛ ذلك لأنها ليست قوتا، وليست مطعومة، إنما هي موزونة .

    وهذا على القول بأن العلة هي الثمنية، ولكل اجتهاده نحن نتورع أن نقول: إن هذه هي العلة، وذلك لكثرة الخلاف لقوة الخلاف بين العلماء.

    أحسن الله إليكم، وأثابكم ونفعنا بعلمكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.










    -------------------------------------------------



    بيع الأصول وبيع الثمار


    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قَالَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: ومن باع نخلا تشقق طلعه، فالثمر له مبقى إلى جذاذ ما لم يشرطه مشتر، وكذا حكم شجر فيه ثمر باد أو ظهر من نوره كمشمش أو خرج من أكمامه كورد وقطن، وما قبل ذلك والورق مطلقا لمشتر، ولا يصح بيع ثمر قبل بدو صلاحه، ولا زرع قبل اشتداد حبه لغير مالك أصل أو أرضه إلا بشرط قطع، إن كان منتفعا به، وليس مشاعا، وكذا بقل ورطبة، ولا قثاء ونحوه إلا لقطة، لقطة أو مع أصله، وإن ترك ما شرط قطعه بطل البيع بزيادة غير يسيرة إلا الخشبة فلا .

    ويشتركان فيها وحصاد ولقاط وجذاذ على مشتر، وعلى بائع سقي ولو تضرر أصل، وما تلف سوى يسير بآفة سماوية، فعلى بائع ما لم يبع مع أصل، أو يؤخر أصل عن عادته وصلاح بعض ثمرة شجرة صلاح لجميع نوعها الذي في البستان.

    فصلاح ثمر نخل أن يحمر أو يصفر وعنب أن يتموع بالماء الحلو وبقية ثمر بدو نضج وطيب أكل، ويشمل بيع دابة عذارها ومقوتها ونعلها، وقن لباسه لغير جمال .

    فصل: ويصح السلم بسبعة شروط أن يكون، فيما يمكن ضبط صفاته كمكيل ونحوه، وذكر جنس ونوع، وكل وصف يختلف به الثمن غالبا وحداثة، وقدم وذكر قدره، ولا يصح في مكيل وزنا، وعكسه وذكر أجل معلوم كشهر، وأن يوجد غالبا في محله، فإن تعذر أو بعضه صبر أو أخذ رأس ماله، وقبض الثمن قبل التفرق، وأن يسلم في الذمة فلا يصح في عين ولا ثمرة شجرة معينة، ويجب الوفاء موضع العقد، إن لم يشترط في غيره، ولا يصح بيع مسلم فيه قبل قبضه ولا الحوالة به ولا عليه ولا أخذ رهن وكفيل به، ولا أخذ غيره عنه.


    --------------------------------------------------------------------------------

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ذكرنا أن هذا الفصل في بيع الأصول، وفي بيع الثمار، وأن الأصول يدخل فيها بيع الأرض، وما يلحق بها وبيع الدار، وما يلحق بها وبيع البستان، وما يلحق به، فإذا باع البستان وفيه نخل أو شجر وذلك الشجر قد أخرج ثمرته، فالثمرة للبائع، وحده في النخل أن يتشقق الطلع .

    معروف أن النخل أول ما يخرج ثمره في أكمام، وتسمى جمار، فهذه الأكمام إذا خرجت بعد خروجها بأسبوع أو بعشرة أيام تتشقق، وإذا تشققت تدلت الشماريخ، فإذا رآها أهل النخل، قد تشققت بادروا إليها، ولقحوها، والتلقيح هو التأبير، ورد في الحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: من باع نخلا قد أبر، فثمرته للبائع إلا أن يشترط المبتاع التأبير، هو التلقيح عادتهم إذا تشققت الكوافير هذه، تشقق الكافور بادروا وقطعوا الكافور، ولقحوه التلقيح المعروف، لماذا لم يدخل في البيع؛ لأن العادة أن صاحبه قد تعب عليه سنة، قد سقاه وتعب عليه.

    فإذا رأى ثمرته، فإن نفسه قد تعلقت به، فإذا باع الأرض والنخل لم يدخل الثمر، بل يبقى للبائع مبقى إلى أن يجذه .

    فهذا إذا لم يشترطه المشتري، إذا قال المشتري: لا أشتري إلا والثمر يتبع الشجر، صح ذلك وكذا حكم كل شجر فيها ثمر بادي يعني: كل شجر قد بدا ثمره، إذا بيعت الأرض وفيها ذلك الشجر، فالثمر للبائع، فالعنب إذا تدلت العناقيد؛ لأن العنب ثمره ليس في كوافير، وليس في أغلفة، بل تتدلى هذه العناقيد، وتكون صغيرة جدا كحب الدخن، ثم بعد ذلك تكبر شيئا فشيئا إلى أن تبلغ النضج، ففي هذه الحال تكون للبائع إذا تدلت العناقيد، وكذلك شجر التفاح -مثلا- إذا كان فيه ثمر قد بدا، ولو صغيرا أو البرتقال أو الأترج أو الخوخ أو المشمش مثلا.

    وكذلك شجر الطماطم والباذنجان والقرع والدباء الذي نوع من القرع والبطيخ بأنواعه، كل هذه إذا كانت الثمرة، قد بدت ولو صغيرة، فبيع الأصل، فإنها لا تتبعه، بل تكون للبائع إلا بشرط.

    وما ظهر من نوره كمشمش، النور هو الزهر يعني: فيه بعض الأشجار تبدو أزهارا، ثم يتساقط الزهر ثم تبدو الثمرة الأترج تبدو أزهاره، ثم تتساقط، والمشمش يبدو زهره، ثم تتساقط أوراق الزهرة، ثم تبدو الحبة في مكانها وغيرها كثير من الذي يبدو في نوره، نوره يعني: زهره، أو خرج من أكمامه نوره أيضا يكون في أكمام كالورد، فإذا كان في أكمامه، فإنه للمشتري، وإذا تشققت الأكمام، فإنه للبائع.

    القطن يخرج في أكمام صغيرة مثل الرمان، ولكن بعدما ينضج أو بعد ما يقرب تتشقق تلك الأكمام، وإذا تشققت فإنها حينئذ للبائع، وقبل أن تتشقق تكون للمشتري إلا بشرط أما ما لا تتشقق كالرمان، فالرمان له نور، فهذا يعني: تبدو صغيرة ـ حبة الرمان ـ حمل الرمان ثم بعد ذلك يكبر، ولكن يبقى في غلافه، ولا يؤخذ منه إلا بعد ما يقطع، ويحفظه فهو بمجرد ما تتدلى حبات الرمان تكون للبائع، وإذا لم يظهر إلا بعد البيع فهي للمشتري ـ ما ظهر من ـ ما تشقق من أكمامه كالورد والقطن والتفاح، وما أشبهه، فالأصل أنها تكون للبائع، إذا ظهرت، وعرفت، وأما ما دام أنها لم تظهر، فالأصل أنها للمشتري، وما قبل خروج الثمر، يتبع الشجر في البيع كذلك أوراقه، الأوراق ورق العنب -مثلا- وورق البرتقال وورق التين وورق الأترج هذه الأوراق تابعة للبيع، تكون للمشتري.

    هذا آخر ما يتعلق ببيع الأصول، بقي بيع الثمار الثمرة، قد تباع وحدها ثمرة هذه النخلة ثمرة، هذه العنبة ثمرة هذه التفاحة أو هذه الأترجة، متى يجوز بيعها ومتى لا يجوز بيعها؟ يشترط في بيعها بدو الصلاح وقبل بدو الصلاح، لا يصح البيع، من كانوا يبيعون النخل، وهو ما يزال بسر صغير، يبيعون الثمرة يأتي المشتري، ويقول: اشتريت ثمرة هذه النخلة، وهي لا تزال حبات صغيرة، يعني: ربما أنها قد أبرت، وخرج هذا التأبير فإذا باعها ثم جاء الحصاد أو الجذاذ أو الصرام، وجد بها عاهات، فيصيبه رزاز، ويصيبه قتام، ويصيبه غبار، فيحصل الترافع، وتحصل الشكايات، ويحصل الاختلاف، فالبائع يلزم المشتري أنت اشتريته، والمشتري يقول: كيف أقبله، وقد أصابه هذا القتام، أو هذا الغبار عاهات تصيب النخل ثمر النخل، فلما كثر ترافعهم نهي عن البيع إلا بعد بدو الصلاح.

    حتى لا يقعوا في هذا الاختلاف، فلا يباع ثمر النخل إلا بعد بدو صلاحه، وكذلك بقية الثمار ثمر العنب ثمر التوت ثمر الزيتون وثمر الخوخ أو الموز يعني: كل هذه الثمار إذا بدا صلاحها وأمنت من العاهة جاز بيعها، وأما قبل ذلك فلا يجوز لماذا؟ مخافة أن تصيبها عاهة، ثم يندم المشتري، أو مخافة أن يبيعها البائع رخيصة، فيندم البائع، يعني: يحصل اختلاف بينهما بعتها، أعتقد أنها غالية؛ لأني رأيت حباتها صغيرة والآن قد أصبحت مرتفعة الثمن، وقد أصبحت غالية فلا أريد البيع، أو يقول: اشتريتها أعتقد أنها سليمة، وأنها ستنفع، والآن أصابتها هذه العاهات، فلا أريدها فإذا بدا صلاحها فالأصل أنها غالبا تكون مأمونة أن يصيبها عاهة.

    "ولا زرع قبل اشتداد حبه" لماذا؟ لأنه قبل ذلك عرضة للآفات، فقد يصيبه برد فيجف إذا كان -مثلا- ـ في ـ لا يزال في سنبله أخضر، أو لم يخرج السنبل، يقول: بعتك هذا الزرع، وهو لا يزال أخضر، لا يجوز إلا بشرط القطع في الحال، إذا قال: بعتك هذا الزرع الذي لم يخرج سنبله بشرط أن تقطعه كعلف يجوز ذلك، إذا كان ينتفع به كعلف للدواب، فيقطعه في الحال، فأما بيع البر الذي فيه، فلا يصح حتى يشتد حبه، وذلك لأنه إذا اشتد حبه أمن من العاهات، وقبل الاشتداد يمكن أن يصيبه برَد أو يصيبه برْد، أويصيبه سيل، أو -مثلا- يظمأ ينقطع الماء عنه فيكون ظمؤه سببا ليبسه، فلا يثمر أو لا يثمر إلا قليلا، أما بعد اشتداد الحب، ما بقي إلا الحصاد، فإنه قد أمن العاهة، يجوز بيع الزرع أخضر لمالك الأصل أو لمالك الأرض، فإذا كان الأصل زرع لإنسان أو الأرض التي فيها الزرع لإنسان والثمر لآخر جاز بيع الزرع قبل اشتداد حبه لمالك الأصل أو لمالك الأرض.

    فمثلا: إنسان استأجرك لتسقي هذا النخل وهذا التين وهذا العنب ولما ـ اشتد بدأ ـ لما ظهر الثمر مجرد ظهوره، وأنت لك الثمر أو لك نصفه جاز أن تبيعه على مالك الأصل، وتقول: بعتك نصيبي من هذا النخل ولو كان بسرا ولو كان حبات صغيرة كحبات العنب أو الرمان أو نحوه يجوز بيعه لمالك الأصل، وكذلك استأجر أرضا، وبعد ما زرعت فيها وظهر الزرع ولو قليلا بعته على مالك الأرض، بعت الزرع وهو لا يزال أخضر أو فيه سنبل، لكنه لا يزال لم يشتد يجوز بيعه على مالك الأرض، وكذلك يجوز بيع الزرع لأجنبي بشرط القطع إذا كان منتفعا به، يجذ زرعه أخضر كعلف للدواب، فإذا انتفع به جاز بيعه إذا كان منتفعا به بشرط أيضا، وهو أن لا يكون مشاعا.

    المشاع هو المشترك بين اثنين، وليس ملك أحدهما متميزا، بل كل واحد منهما له نصف هذا الزرع، فلا يجوز أن يبيع أحدهما نصيبه قبل أن يشتد حبه، ولو بشرط القطع؛ وذلك لأنه قد يمنع صاحب النصف الثاني؛ فيقعون في خلاف.

    يقول: "وكذا بقل ورطبة" البقل هو الأوراق التي تؤكل ورقا كما يسمى بالخس، وأوراق الفجل وأوراق الجرجير، هذه تسمى بقولا، يجوز بيعها إذا كانت تقطع في الحال، وإذا كانت ينتفع بها فيجوز بيعها، والحال هذه بشرط أن تقطع في الحال، وأما لمن يبقيها فلا يجوز، الرطبة: اسم من أسماء القت الذي هو البرسيم له عدة أسماء ويسمى الفصة والقصة، ويسمى القضب، فيذكر في القرآن: وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا

    فهو يسمى برسيم علفا يحصد للدواب، فهذه الرطبة يجوز بيعها لمن يجذها في الحال، وأما القثاء فهو ما يسمى. ..بطروخ هذه التي تشبه الخيار تؤكل لا تحتاج إلى طبخ، تؤكل هكذا، فهذا القثاء أيضا يؤخذ من شجره، فيجوز بيعه لقطة لقطة، كأن تكون -مثلا- كلما ظهر هذا القثاء أو هذه البامية -مثلا- أو ما يسمى بالكوسة، تقول: بعتك هذه اللقطة الموجودة بمائة، فيأخذها في الحال، ولا يتركها تكبر مخافة أن تختلط بغيرها مما يكون للبائع، فتكون لقطة لقطة، كلما بدت هذه اللقطة باعها لمن يقطعها في الحال، أو يبيعها مع أصلها مع أصل هذا الشجر الذي هو -مثلا- يلقط ثمره لقطة لقطة. .. فالجس:مثلا- أو ما يسمى بالهنادو أو القرع أو الباذنجان أو الطماطم الذي أخذه لقطة لقطة، كلما احمر -مثلا- ونضج باعه على من يقطعه في الحال، وإن ترك ما شرع قطعه بطل البيع بزيادة غير يسيرة .

    لو -مثلا- أنه باعه هذا -مثلا- القرع، وهو متوسط تركه حتى كبر أو باعه الطماطم، وهو صغير بشرط القطع وتركه حتى كبر بطل البيع، وهكذا لو باع. .. الجس وهو صغير وتركه المشتري حتى كبر بطل البيع؛ وذلك لأنه اشتبه بشيء لا يستحقه؛ لأن هذه الزيادة التي ليست يسيرة من ملك البائع، فالمشتري تعمد تركه حتى اختلط بما ليس له، أما إذا كان الزيادة يسيرة، يعني: تركه يوما أو يومين.

    العادة أن الزيادة تكون يسيرة، ويكون في هذه الحال يشتركان فيها يشترك البائع والمشتري في هذه الزيادة، الزيادة تكون للبائع، والموجود وقت البيع يكون للمشتري، فيشتركان فيها استثنوا من ذلك الخشب كخشب الأثل أو السدر أو ما أشبهه، الأصل أنها زيادتها سهلة؛ لأنها قد تبقى -مثلا- سنة لا تزيد إلا -مثلا- شبرا أو نصف شبر أو ذراع، يعني: سيما بعدما تكبر.

    إذا اشترى الزرع بعد ما يشتد حبه، الحصاد على المشتري؛ لأنه ملكه حصاده يعني: قطعه بالمنجل، وفي هذه الأزمنة بالحصادة الماكينة التي تحصده، الحصاد على المشتري؛ لأنه عايل ملكه، وكذلك اللقاط، لقط هذا الثمر يعني: أجرة اللقاطين على المشتري إذا كان -مثلا- يحتاج إلى لقط كالطماطم أو الباذنجان، فاللقاط على المشتري، وكذلك الجذاذ الذي هو الصرام على المشتري أيضا، أما البائع فعليه أن يسقي الأصل ولو تضرر، على البائع سقي ولو تضرر الأصل، ولو تضرر الثمر فإذا باع -مثلا- هذه النخلة، وقد بدأ صلاح ثمرها، فالبائع يقول: ما بعتك إلا الثمرة، الشجر لي أنا أصل أسقي شجري فإذا قال المشتري: لا تسقيه؛ فإنه قد يهبض قد يفسد الثمر، فالمشتري ليس له إلا الثمر، فلا يمنعه من سقي أصل شجره، أيا كان الشجر، كشجر العنب والرمان ونحوه .

    يعني، ذكر بعضهم أن سقي الشجر شجر النخل قد يضر بالثمر فليس للمشتري أن يمنع البائع من سقي شجره؛ لأنه ملكه، يقول: ما تلف بآفة سماوية، فعلى البائع إلا الشيء اليسير، إذا كان التلف شيئا يسيرا، فعلى المشتري، وأما إذا كان تلفا كبيرا بآفة سماوية، فعلى البائع، ما لم يبع مع أصل، أما إذا باع شجر الثمر، ثم تلف بآفة سماوية، فإنه يذهب على المشتري.

    وهكذا -مثلا- لو أن المشتري أخر الجذاذ عن عادته، فتلف فإنه على المشتري، ماذا تسمى هذه المسألة تسمى مسألة وضع الجوائح الجائحة المصيبة التي تصيب الثمر، وقد اختلف فيها العلماء، فالإمام أحمد ذهب إلى وضع الجوائح، ولم يعمل بذلك أكثر الأئمة، قالوا -مثلا-: إذا باع هذه الثمرة في هذه النخلة أو النخلات بعد ما بدا صلاحها، ففي هذه الحال إذا قدر -مثلا- جاءها جراد أو. ..جزع، وأكل الثمرة، أو جاءها برد، وأسقط الثمرة، فعلى من تذهب، فيه قولان ذهب أحمد إلى أنها على البائع يتحملها البائع، وذهب الأئمة الآخرون إلى أنها على المشتري؛ لأن البائع يقول: بعتك الثمرة، وخليت بينك وبينها، واستلمت الثمن كاملا، ولم أمنعك، وأصبحت الثمرة ملكا لك.

    وهذا الأمر ليس بيدي، آفة سماوية، ليس باستطاعتي أن أرد أمر الله تعالى، فكيف أتحملها وقد بعتها، وقد أقدم عليها ذلك المشتري .

    ذهب الإمام أحمد إلى أنها على البائع، واستدل بحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: لو بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ حديث صحيح .

    وذهب بعضهم إلى أن هذا الحديث ورد قبل النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ولعل هذا هو الأقرب أنه خاص بما كانوا يتعاملون به قبل أن ينهوا فكان أحدهما يبيعه، وهو أخضر ويبيعه، وهو بلح صغير، ثم تصيبه عاهة، فيقول: إذا أصابته عاهة، فأنت أيها البائع تتحمل، لا تأخذ من المشتري شيئا؛ لأنك أنت صاحب الشجر، وهذه الشجرة من جملة شجرك، وأنت عادة تتحمل، وأنت عادة أنك متعرض لهذه الآفات؛ لقوله تعالى: لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا

    وقد أخبر الله تعالى بما أصاب ثمار أصحاب الجنة الذين ذكروا في سورة القلم في قوله: فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ

    فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ يعني: تلك الثمار أصبحت كأنها مصرومة، يقول: وصلاح بعض ثمر شجرة صلاح لجميع نوعها الذي في البستان نعرف، قد ذكرنا في باب الربا أن اللحم أو التمر جنس تحته أنواع، فنوع -مثلا- يسمى الصفري، ونوع يسمى الخضري، ونوع يسمى السكري، ونوع يسمى الإبراهيمي أو الميهي، وما أشبهها فإذا بدا صلاح شجرة من الصفر جاز بيعها بيع بقية الصفري الذي في هذا البستان؛ لأن العادة أنه يتقارب نضجه، هذا معنى قوله لجميع نوعها الذي في البستان، لا لجميع التمر، لا لجميع النخل، فإن بعضه -مثلا- قد يتأخر كما يسمى بخصاب، وما يسمى -مثلا- بالفلق قد يتأخر نضجه، فلذلك لا يكون إلا صلاحا لذلك النوع، لا لجميع الجنس.

    وإذا كان -مثلا- عنب أنواعا: منه ما يكون أسود، ومنه ما يكون أخضر، فصلاح بعضه يعني: صلاح بعض الأخضر صلاح لجميعه، ما علامة صلاح ثمر النخل؟ أن يحمر أو يصفر؛ وذلك لأنه أول ما يخرج يكون أخضر كلون الأوراق أوراق الشجر غالبا يكون أخضر، ولا يزال أخضر إلى أن يقرب من النضج، ثم ينقلب فبعضه يكون أصفر، وبعضه يكون أحمر كما هو مشاهد، فإذا احمر ما يكون أحمر أو أاصفر ما يكون أصفر جاز بيعه، وصار ذلك علامة على بدو صلاحه، وأما العنب فإنه يبقى على لونه، أكثره يبقى على لونه، وبعضه ينقلب أسود، بدل ما يكون أخضر ينقلب أسود عند نضجه، فإذا انقلب أسود، فإنه قد نضج جاز بيعه .

    والذي يبقى على خضرته علامة نضجه أو بدو صلاحه أن يتموه بالماء الحلو، ماؤه أولا مالح شديد الملوحة، ثم إذا بدا نضجه انقلب لونه تحاليا، وأما بقية الثمار، فعلامة صلاحها بدو النضج وطيب الأكل أن يبدو فيه النضج، ويطيب أكله يعني: يبدو فيه علامة النضج -مثلا- الأترج ينقلب أصفر.

    وكذلك -أيضا- البرتقال ينقلب أصفر، علامة على أنه قد بدا صلاحه، وكذلك الزيتون وما أشبهه إذا طاب أكله وبدا فيه النضج جاز بيعه، ألحق بهذا بعض الأشياء التي ليست ثمارا، وليست عقارا بيع الدابة إذا باع دابة -مثلا- ناقة فالبيع يدخل فيه عذارها ومقودها ونعلها؛ وذلك لأنه عادة تحتاج إليه، كانوا يجعلون في فم البعير جملا أو ناقة لجاما، ثم يقودونها به يسمونه العذار، فيدخل في البيع، وكذلك حبل يقودونها به ويسمونه خطام، تقاد به، فهذا الخطام واللجام، يتبعها في البيع.

    وكذلك أيضا النعل -مثلا- الخيل يجعلون لها حذاء، وبعض الدواب كالبقر -مثلا- والحمر تحتاج إلى حذاء يقي حوافرها من الحفا والحصى، فنعلها يتبعها، أما إذا باع عبد، العبد آدمي والإنسان عادة يكون له ثياب، فإذا كانت ثياب الجمال التي يلبسها للجمال في المناسبات، فهذه ما تتبعه في البيع، وأما الثياب العادية التي يلبسها عادة في الاشتغال وما أشبهه، فإنها تدخل في البيع.

    السلم وشروطه
    نبدأ في السلم يعرفون السلم بأنه عقد على موصوف في الذمة مؤجل، عقد على موصوف في الذمة مؤجل، بثمن موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد، هكذا عرفه في زاد المستقنع، ويعرفه بعضهم بأنه ما عجل ثمنه وأخر مثمنه، في حديث ابن عباس قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، وهم يسلمون في الثمار السنة والسنتين، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: من أسلف في شيء، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم

    ما أكثر ما كانوا يسلفون أو يسلمون في الثمار، وكذلك في الزروع ونحوها، يحتاج صاحب النخل أو صاحب العنب إلى مال إلى نقود، فيأتي إلى التاجر -مثلا- ويقول: أبايعك في ذمتي مائة صاع من التمر أعطيكها بعد خمسة أشهر أو بعد سنة، وكل صاع بريال تسلم لي الثمن الآن، لو كان التمر موجودا الآن لكان ثمنه كل صاع بريالين، ولكن أنا محتاج أن أبيعه رخيصا؛ لأني محتاج إلى الثمن، فينتفع صاحب النخل حيث يأخذ دراهم مقدمة، يشتري بها -مثلا- علفا لدوابه، أو يعطي منها أجرة العمال، ينفق منها على عياله، فإذا صرم النخل أعطى ذلك التاجر مائة الصاع، وصاحب التجارة يربح يبيع الصاع بريالين فيحصل له ربح، وهذا في صاحب النخل وكذلك -مثلا- صاحب الزرع، إنسان يريد أن يزرع، وليس عنده مادة يمكن عنده البئر وعنده الأرض وعنده -مثلا- في هذه الأزمنة الماكينة أو الأدوات -مثلا- الرشاش الذي يسقى به -مثلا- أو عنده بعض الأدوات دون بعض، فهو بحاجة -مثلا- إلى بذور وبحاجة إلى أجرة عمال، وبحاجة إلى نفقة على عياله، فيأتي إلى التاجر، ويقول: أبيعك مائة صاع في ذمتي ـ عند ـ مؤجلة إلى وقت الحصاد بعد خمسة أشهر أو بعد سنة كل صاع بريالين، لو كان موجودا لكان سعر الصاع أربعة -مثلا- ولكن لحاجتي أبيعه بريالين، فيربح المشتري حيث إنه عند الحصاد إذا قبضها يبيع الصاع بريالين بدل ما اشتراه بريال، وينتفع المشتري، ينتفع البائع فكل منهما له يعني: فائدة هذا حقيقة السلم، يصح بسبعة شروط:

    الشرط الأول أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته كمكيل وموزون، هذا الشرط الأول مكيل وموزون ومعدود ومذروع، يمكن ضبط صفاته أخرجوا ما لا ينضبط بالصفة، وعرفوه بأنه ما تدخله الصناعات اليدوية؛ وذلك لأنه يختلف كانت الصناعة قديما يدوية، ومعلوم أنها تختلف، فالذي يصنع السكاكين، لا يجعلها متساوية، بل هذه أكبر من هذه، وهذه أحد من هذه وهذه فيها -مثلا- حديد قوي، وهذه ضعيف، وكذلك -مثلا- الذي يصنع القدور تختلف يكون بعضها أكبر من بعض، وبعضها أقوى، وهكذا الذي يخيط الثياب، عادة أنها لا تتساوى، فيكون هذا أطول أو هذا أوسع، أو ما أشبه ذلك فيقولون: لا يصح.

    يصح بسبعة شروط:

    الشرط الأول: أن يكون مما يمكن ضبط صفاته.

    كمكيل وموزون، هذا الشرط الأول، مكيل وموزون ومعدود ومذروع يمكن ضبط صفاته، أخرجوا ما لا ينضبط بالصفة، وعرفوه بأنه ما تدخله الصناعات اليدوية؛ وذلك لأنه يختلف، كانت الصناعات قديما يدوية.

    ومعلوم أنها تختلف، فالذي يصنع السكاكين لا يجعلها متساوية، بل هذه أكبر من هذه، وهذه أحد من هذه، وهذه فيها مثلا حديد قوي، وهذه ضعيف.

    وكذلك مثلا الذي يصنع القدور، تختلف، يكون بعضها أكبر من بعض وبعضها أقوى، وهكذا الذي يخيط الثياب، عادة أنها لا تتساوى، يكون هذا أطول، أو هذا أوسع أو ما أشبه ذلك، يقولون: لا يصح السلم فيما يختلف، الذي تدخله الصناعات اليدوية، أما في هذه الأزمنة، فقد أصبحت الصناعات بالماكينة، وأصبح الاختلاف يسيرا أو ليس هناك اختلاف، المصنوعات الآن تصنع بالماكينات، والتجار الآن يسلمون فيها، فيتفقون مثلا مع شركات منتجة، ويقدمون لهم الثمن، أو نصف الثمن ويحددون لهم مدة، فيبيعونهم.

    أصبحت هذه الأدوات كلها يصح السلم فيها؛ لأنها ترتبط بالصفة، فيسلمون مثلا في القدور، ويعرفون أرقامها مثلا، رقم كذا، سعره كذا، يعني: نشتري منكم أيها الصناع، يعني: المصانع نشتري القدر مثلا بعشرين، أقدم لكم الثمن ويأتينا بعد نصف سنة، إذا بعته مثلا بثلاثين، يعرف ده رقم كذا، رقم كذا بعشرين، ورقم كذا بعشرة، ورقم كذا بخمسة، وكذلك أيضا الأباريق، أصبحت معروفة منوعة تنضبط بالصفة، ويصح السلم فيها، وكذلك السخون أصبحت أيضا يعني: معروفة، وكذلك كل شيء تدخله الصناعة أصبحت الصناعة فيه بالماكينة، يسلمون فيها الآن، يسلمون فيه، مثلا الملاعق، ألف أو مائة ألف، كل خمس مثلا بريال أو بريالين، وكذلك في السكاكين صغيرا أو كبيرا يسلمون فيها، حتى مثلا في الأمواس والإبر، وما أشبهها.

    يسلمون في الصغير وفي الكبير، فإن جاز ذلك لأجل أنها أصبحت تنضبط بالصفة، هذه في المصنوعات، وكذلك أيضا في سائر المصنوعات يسلمون الآن في الأحذية، بالأول كان الخراز يشكلها بيده، ثم يخرزها بيده بمخراز، فيقع فيها اختلاف، تكون هذه أثقل، وهذه أكبر وهذه أصغر، لا يجوز السلم فيها؛ لأنها تختلف، وأما الآن فأصبحت أرقاما محددة، الأحذية ليس بينها مثلا اختلاف أصلا، وكذلك أيضا الثياب التي تصنع بالماكينات الآن، أصبحت مقاسات معينة، أما التي يفصلها المفصلون ويخيطونها، فإنها تدخلها صناعات يدوية، فأما التي تخاط بالماكينة، يعني: تفصيلها وعملها بالماكنة، فهذه يصح السلم فيها، لعدم الاختلاف فيما بينها، فأصبح الآن يسلمون حتى في الماكينات الكبيرة، مضخات الماء، يسلمون في السيارات، مع كبرها إذا كانت تنضبط بالصفة، فمثل هذا جائز لعدم المحظور، فقديما منعوا من ذلك لكونه لكونه يختلف، والآن أصبح الاختلاف فيه يسيرا، هذا الشرط الأول.

    الثاني: ذكر جنس ونوع، وكل وصف يختلف به الثمن غائبا، وحداثة وقدم، هذا الشرط الثاني.

    ما الفرق بين الجنس والنوع؟ تقدم ذلك في باب الربا، أو في الربا أن الجنس ما له اسم خاص تحته أنواع، يعني: يشمل أنواعا مختلفة، ما له اسم خاص يشمل أنواعا، وأن النوع ما له اسم خاص يشمل أشخاصا، فيتضح بالمثال كما تقدم.

    فكلمة التمر، جنس أو نوع؟ جنس، وكلمة البرني والخضري والسكري نوع، نوع من جنس، فإذا أسلم في تمر، فلا يقل التمر، بل يذكر الجنس أنه تمر، ويذكر النوع أنه خضري أو أنه منيفي أو أنه عجوة، يذكر النوع، حتى لا يحصل اختلاف، ذكر الجنس والنوع، وكذلك مثلان الحنطة، الحنطة جنس أو نوع؟ جنس تحته أنواع، نوع يسمى. ..، ونوع يسمى الشارعي، ونوع يسمى الحباب، وأنواع فإذا أسلم في الحنطة، فلا بد أن يذكر النوع، يذكر الجنس أنه بر، ويذكر النوع أنه شارعي مثلا، أو أنه الجيني أو ما أشبهه، ذكر الجنس والنوع، وكل وصف يختلف به الثمن، إذا كان هناك أوصاف فلا بد أن يذكرها، مثلا الأرز جنس وتحته أنواع، نوع مثلا يقال: هذا مصري، وهذا هندي، وهذا باكستاني، يعني: يسمى باسم بلده بشاور مثلا أو نحوها، لا شك أن هذا لا بد من ضبطه، كل وصف يختلف به الثمن، كذلك الحداثة والقدم، لا بد أن يذكره، أن يكون مثلا جديد كالتمر مثلا إذا اشترطه أنه يختلف بالقدم وبالحداثة، ويفضل الجديد من التمر الأرز مثلا قد يفضل القديم، فلا بد أن يذكره، هل هو جديد أم قديم، الحداثة والقدم حتى لا يكون الاختلاف.

    الشرط الثالث: ذكر قدره بكيل أو وزن أو عد أو زرع، فيكون مثلا مائة صاع أو مائة كيلو، وكذلك أيضا، إذا كان مكيلا فلا يكون موزونا، هذا، هكذا ذكروا، لا يصح بمكيل موزون، ولا في موزون كيلا، ولكن لعل الصواب أنه يجوز وزن ما هو مكيل، والناس الآن يسلمون فيهما كيلا، بالكيلو، الزرع مثلا أصبح مكيلا بالكيلو، فيجوز -مثلا- أن يكون اشتريت منك في ذمتك ألف كيلو، كل كيلو مثلا بريال، تعطينيها مثلا في وقت كذا، وكذا.

    ثم الشرط الرابع: ذِكْر أجل معلوم، لا بد أن يكون مؤجلا بأجل له وقع في الثمن، فلا يصح حالا؛ لأن الأصل أنه مؤجل، لو كان حالا حاضرا ما احتاج إلى أن يسمى سلما، فإذا كان البر عنده فإنه يبيعه ويدفعه للمشتري في حينه، كذلك التمر ونحوه، فلا بد أن يكون مؤجلا، فلا يسمى سلما إلا إذا كان مؤجلا بأجل له وقع في الثمن، بحيث يزاد فيه لأجل الثمن، لأجل الأجل، فبدل ما يكون الصاع بريالين، يشتري الصاع بريال؛ لأنه غائب ينتظره إلى أن يأتي أجله، فقدره بعضهم بشهر، وقدره بعضهم بأكثر، والصحيح أنه لا حد له، بل إذا كان الأجل له وقع في الثمن يزاد في الثمن لأجله صح، فلا يصح حالا يصح إذا كان شيئا يأخذه معه كل يوم فيصح، كل يوم مثلا أن تتفق مع الخباز الذي يبيع الأربع بريال، فتقول: أنا أشتري منك الخمسة بريال لمدة ستين يوما أو تسعين يوما، أعطك الثمن الآن، أعطيك تسعين ريالا نقدا على أن تعطيني كل يوم خمس، أنا بحاجة إليها كل يوم، في هذه الحال يصح؛ وذلك لأنه مؤجل، وإن كان الأجل متعددة كل يوم تأتي، ويعطيك خمسا إلى أن تتم تسعين يوما، وقد أعطيته الثمن مقدما، وهكذا مثلا لو اتفقت مع القصاب الذي يبيع اللحم، اللحم مثلا غنم يبيع الكيلو مثلا بعشرة، فتقول: أنا أشتريه بثمانية، أشتري منك مائة كيلو، أنقدك الثمن الآن، كل كيلو بثمانية، أسلمها لك حالا وآخذ كل يوم منك كيلو إلى أن أتم مائة يوم، فمثل هذا يجوز، ويسمى سلما مؤجلا، ولكن الأجل متعدد.

    الشرط الخامس: أن يوجد غالبا في محله أي وقت حلوله.

    وذلك يعرف بالعادة، فمثلا الرطب لا يوجد في الشتاء، وكذلك العنب ونحوه، فإذا أسلم في رطب في الشتاء لن يصح؛ لأنه غير موجود، وكذلك العنب ونحوه، وهكذا -أيضا- إذا أسلم في شيء يتعذر وجوده في وقت الحلول، لو قدر أنه أسلم فيه في وقت حلوله، ولكن تعذر إما أصابته آفة سماوية، أو لم يجده لم يجد شيئا أو تعذر بعضه، ففي هذه الحال له الخيار أن يصبر أن يصبر إلى السنة القادمة مثلا، أو يطالب برأس ماله، ليس له إلا ذلك، ولا يقول: أعطني بدله الذي عندك الآن.

    مثلا: لي مائة صاع أبيعكها على أن تعطيني ثمنها كل صاع بريالين، ولو كنت اشتريته بريال؛ لأنه لو وجد صار بريالين، فلا يجوز وليصبر إلى أن يعطيه، أن يعطيه السنة القادمة أو يأخذ رأس ماله.

    الشرط السادس: قبض الثمن في مجلس العقد، أي: أن يقبض الثمن في المجلس قبل أن يتفرقا. لماذا؟ لئلا يكون بيع دين بدين، قد ورد في الحديث نهى عن بيع الكالئ بالكالئ. الكالئ هو الغائب .

    فلا يجوز أن يؤخر الثمن أن يؤخر الثمن، بل يستلم الثمن في المجلس، ويكتب في ذمته المهلة.

    الشرط السابع: أن يكون السلم في الذمة، فلا يصح في عين ولا ثمرة في شجرة معينة، بل يقول: في ذمتي دليل ذلك، ذكر جابر وغيره من الصحابة، قال: كان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة لشهرين أو لأربعة أشهر. يقول الراوي: فقلت: هل لهم الزروع؟ فقال: كنا نسألهم يأتون يجلبون البر، فيقول أحد التجار: أشتري منك في ذمتك مائة صاع، تأتني بها بعد شهرين أو ثلاثة أشهر، يستلم الثمن ثم يذهب هذا النبطي، يعني: من الزارعين يشتريها مثلا، يشتريها منه الصاع بريال.

    وهناك يشترى الصاع بنصف ريال، ثم يأتـي إليك بها في بلدك، وتبيع الصاع بريالين، أنت اشتريته بريال، وهو اشتراه بنصف ريال، وأنت بعته بريالين، فكل منهم منتفع، لو قال -مثلا-: لا أبيعك، لا أشتري منك إلا من ثمرة هذه النخلة، فلا يجوز. لماذا ؟؛ لأنها قد يشتد ثمرها، وقد لا تنبت، وكذلك لو قال: لا أقبل إلا من ثمر هذا البستان، أو من زرع هذه الأرض لا يجوز، بل يكون في ذمتك لي مائة صاع، سواء زرعت أو لم تزرع، إذا حل الأجل، فإنك تحضر لي المائة صاع، تشتريها أو تحسبها أو ما أشبه ذلك، هذا معنى قولهم: إنه لا يصح في عين ولا في ثمرة شجرة معينة مخافة أنها لا يحصل لها ثمر، ما باقي في الباب ---نقرأه غدا إن شاء الله.

    س: أحسن الله إليك فضيلة الشيخ، يقول: نستلم رواتبنا من البنك، ويتم استلام الشيكات في يوم ثلاثة وعشرين من الشهر، ولكن لا يتم الصرف إلا في يوم خمسة وعشرين، فيقوم البعض بصرفه من مؤسسات صرف قبل مدة استحقاقه مقابل مبلغ وقدره خمسون ريالا، يخصم من المبلغ الموجود في الشيك. فهل هذا العمل صحيح ؟.

    ج: غير صحيح ذلك؛ لأنه مال بمال متفاوتا دراهم حاضرة بدراهم غائبة أقل منها. ويقول مثلا: أعطني ثلاثة آلاف، مثلا وخمسمائة أعطيكم بعد يومين، ثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين، فيربح الخمسين ريالا في يومين، لا شك أن هذا ربا، هذه زيادة دراهم بدراهم أكثر منها، فيكون هذا ربا، يصبر ويتحمل والصبر يومين أو يقترض لحاجته حتى يحل ويسلم من الربا، ويأتيه راتبه كاملا.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: ما معنى قول المؤلف: إلا الخشبة، فلا ويشتركان فيها؟.

    ج: كلمة إلى الخشب هنا، جملة معترضة، وأما قوله: فيشتركان فيها يريد به، يشتركان في الزيادة إذا باع مثلا البطيخ وهو صغير ثم تركه المشتري، ولما تركه زاد يشتركان في هذه الزيادة. أما الخشب فإنه زيادته يسيرة.

    س: أحسن الله إليك. في قول المؤلف -رحمه الله-: وعلى بائع سقي، ولو تضرر أصل ألا يخالف هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا ضرر ولا ضرار ؟.

    ج: لا يخالفه، وما ذاك إلا أنه مطالبا منه ملزم بسقي شجرة، ويقول: إن الشجر لي، وسوف أسقيه، وأنت اشتريت مني، ثمرة إن شئت فاصرمها في الحال، وإن شئت فاتركها حتى تنضج، يتم نضجها فكوني أتضرر لمصلحتك، هذا علي ضرر. الشجر إذا لم يسقه فيه تضرر وضمر.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: قلتم: إن الأئمة انقسموا أو اختلفوا، من إذا تلف الزرع، أو إذا أتلف الزرع آفة سماوية، فالإمام أحمد يقول: على البائع. فما هو دليل القائل بالقول الآخر ؟.

    ج: دليلهم أو أدلتهم عموم المبايعات، لما أنه -عليه السلام- رخص في بيعه، وقال: لا يباع الثمر حتى يبدو صلاحه، هذا دليل على أنه دخل في ملك المشتري نهى أن تباع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع، فدخل بدو الصلاح في ملك المشتري، فإذا أصابت هذه الجائحة ذهبت عن المشتري، والمشتري قد قبضها بالتخلية، والبائع قد استلم الثمن، قد انقطعت علاقته بها هذا دليل كل منهم.

    س: أحسن الله إليكم،. .. كثر معنى هذا السؤال، يقول: اشتريت سيارة، واشترطت أن أجربها لمدة أسبوع، فبعد يومين تعطلت السيارة لتفريط من المشتري، فمن هو الذي يتحمل تلف السيارة. البائع أم المشتري؟ والله يرعاكم .

    ج: إذا كان لك الخيار في خمسة هذه الأيام في تجربتها، فإذا كان تعطلها بسبب آفة داخلية فيها، فإنك تردها وتعطلها على البائع. أما إذا كان التعطل بسبب منك أنك مثلا خاطرت بها، أو أسرعت أو انقلبت معك أو حدث منك تهور و. .. أو تفريط، أو ما أشبه ذلك إلى أن حصل هذا الخلل، فإنك أنت الذي تضمن حتى ولو رددت السيارة.

    س: أحسن الله إليكم،. .. هذا السؤال من النساء تقول هذه السائلة:

    فضيلة الشيخ. أحسن الله إليكم: زوجي يسافر بنا سنويا للسياحة في أحد البلاد التي تباع فيها الخمور، ويكثر فيها التبرج والسفور، ولاحظت على أبنائي وبناتي انحراف أخلاقي ونبذ للحجاب وقتل للغيرة ودفن للحياء؛ لذلك فقد عصيته في هذا العام في مسألة السفر، ومنعت أبنائي وبناتي من السفر، أرجو توجيه النصيحة وهل أنا آثمة ؟.

    ج: أحسنت هذه المرأة لما فعلت من الامتناع لا شك أن الأسفار إلى تلك البلاد التي يكثر فيها التبرج، وتباع فيها الخمور والمنكرات أنها وسيلة من وسائل الانحراف، فأولاده إذا رأوا مثلا هذه المنكرات تخلقوا بها، وهان أمرها عندهم ذكورا وإناثا، ففي هذه الحال نرى أنها على خير إذا عصته؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعليها نصحه وعلى من يعرفه أيضا أن ينصحه، وأن يحذره من هذه الأسباب، وفي المملكة من المنتزهات ما يغنيه عن السفر الذي يكلفه أموالا، الذي يسبب ما يقع فيه هو وأولاده.

    س: أحسن الله إليكم،. يقول: استلفت من شخص مبلغاُ من المال لمدة سنة، ثم أعطيته بعضه، والبعض الآخر أنفقته، أو أنفقته في التجارة مع أن الشخص الذي استلفت منه، قال: متى ما توفر المبلغ معك، فأنت فأت به، فهل يجوز الانتفاع بهذا المبلغ، أو ورده على صاحبه، وجزاكم الله خيرا.

    ج: يعنى يطالبك به، وقال: إنك مباح أن تتصرف فيه إلى أن يتوفر لديك، فلك أن تتجر به وربحه وخسرانه عليك، واعتبره كدين في ذمتك، فأما إذا ما اتفقت معه على أن يكون مضاربة، فيكون له مثلا جزء من الربح، فاعتبره كمضاربة، واعتبر أن خسرانه عليه وربحه بينكما.

    س: أحسن الله إليك. يقول: يوجد في السوق أنواع من المناديل يوضع في داخل المنديل نقودا، فيباع هذا الكارتون بخمسة وستين ريالا، وهناك مناديل من نفس النوع ليس فيها نقودا تباع بستين ريال علما بأن الكارتون الذي بداخله نقود، لا نعرف هل بداخله نقود أو لا، فيشتريه الإنسان، وهو لا يعرف، فهل هذا جائز ؟.

    ج: ما أراد بذلك إلا اجتلاب أموال الناس، اجتلاب أموالهم يعني: مثلا في واحد منها بخمسة ريالات، وأرادوا بذلك أن يشتري مثلا هذه الكراتين، حتى يحظى بواحد ربما لا يكون فيها إلا واحد أو اثنين، نقول: إن هذا خطأ من هذه الشركة التي جعلته في داخل هذه المناديل، وأن عليها ألا تتسبب إلى اجتلاب أموال الناس بمثل هذه الحيل. الإنسان الذي بحاجة إلى شراء هذه المناديل يشتريها على حاجته.

    س: أحسن الله إليكم،. . يقول: قلتم بأن الهدايا التي تقدمها المحلات التجارية لا تجوز؛ لأنها تغري الناس بارتياد هذه المحلات، ولكنه أليس شكل المحل ونظافته والدعاية الموجودة فيه كلها تغري الناس بارتياد هذا المحل، فكيف نقيس هذا على ذاك ؟.

    ج: معلوم أنهم ما قصدوا إلا مصالحهم الخاصة لم يقصدوا نفع الشعوب ولا نفع الأفراد، ولو أرادوا ذلك لتصدقوا بهذه الهدايا ونفعها. ولأنفقوها في وجوه الخير، ولكن أرادوا بذلك أن يشتهر متجرهم، وأن يتحدث الناس بهم، ويكون ذلك كالدعايات التي يعلم عنها، وأرادوا ثانيا أن يتهافت الناس إذا تسامعوا بهذه الهدايا ونحوها تهافتوا من كل مكان، فتكلفوا وتجشموا المشقة، وبذلوا أموالا حتى يصل إليها، فيشتري منهم الناس أموالا كثيرة يربحون فيها عشرات أمثال تلك الهدايا، فنحن نقول: لا تشجعهم على هذه الدعايات، وعليك أن تشتري مما تيسر لك، ولا تتكلف في تشجيعهم، فربما أن هذه الهدايا لا تحصل لك، وتكون تكلفت تكلفا زائدا بمجيئك من بعيد، فاقنع بما ترزق، واقتصر على ما تيسر. أحسن الله إليكم وأثابكم ونفعنا بعلمكم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  2. #2
    الصورة الرمزية حطام
    تاريخ التسجيل
    Sun, 01 Mar 2009 07 PM:05:08
    العمر
    31
    المشاركات
    902
    معدل تقييم المستوى
    6

    افتراضي

    بارك الله فيك

    والله جدا حلو ومفيد

    جزاك الله خير

  3. #3

    تاريخ التسجيل
    Fri, 10 Apr 2009 10 AM:21:59
    العمر
    14
    المشاركات
    30
    معدل تقييم المستوى
    0

    افتراضي

    مشكوووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووور

  4. #4
    زائر
    تاريخ التسجيل
    Tue, 22 Jun 2010 08 AM:19:00
    المشاركات
    116
    معدل تقييم المستوى
    0

    Smile Wholesale mbt shoes

    40 years of the 20th century, due to the rise of Keynesianism, and some other school system school, ignored until the 60's, the resurgence of the system. During this period there were two "new" institutional economics, Galbraith and other economists were represented by the "Neo-institutional economics", and to Coase, North, etc., represented "New-institutional economics" . To distinguish between the two school systems, such as the national representative of the general will Galbraith called the modern school system of institutional economics,which will be represented by a system of Kos and other school called the new institutional economics. New institutional economics started from the 20th century, the development of 70 years, to gradually grow into the forefront of contemporary research in the field of economics, but also before and after 30 years; a new institutional economics, however, the birth of economists in the West set off an uproar. Excellent mbt shoes wholesale prices Click here Wholesale mbt shoesTo date, the new institutional economics although not formed an independent, complete and rigorous scientific theoretical system, but at least the following four areas formed a relatively systematic theory: property rights theory, transaction cost theory, contract economics, principal - agency theory, new classical

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

المواضيع المتشابهه

  1. حمل الان مجانا :. كتاب ما هيا كتاب تصحيحات فيبوناتشي easy-forex
    بواسطة Prof Trader في المنتدى البورصة وأسواق المال
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: Fri, 15 Jul 2011, 09 PM:19:05
  2. تحميل كتاب طبخ كتاب تعليم الطبخ يحتوي على 1030 وصفة
    بواسطة بيكانوالشرش في المنتدى المطبخ والمأكولات
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: Sat, 02 Apr 2011, 06 PM:56:43
  3. كتاب التصميم الداخلي .. كتاب مساعد في معاهد الفنون الجميلة!!
    بواسطة شوزانااامى في المنتدى الأثاث والديكورات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: Fri, 04 Feb 2011, 08 AM:05:46
  4. كتاب التصميم الداخلي .. كتاب مساعد في معاهد الفنون الجميلة!!
    بواسطة شوزانااامى في المنتدى الأثاث والديكورات
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: Sat, 22 Jan 2011, 06 AM:57:40
  5. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: Sat, 11 Dec 2010, 11 PM:13:19

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •