الرئيسية
  • المقالات
  • مقالات .. التوازن بين الدائنين والمدينين "بين الأنظمة والواقع الاقتصادي"

    مقالات .. التوازن بين الدائنين والمدينين "بين الأنظمة والواقع الاقتصادي"

    • نشر الأربعاء ،
    • 5 فبراير 2020


    تاريخياً: وقبل صدور نظام التنفيذ، كان من لديه شيك يحتاج أشهر طوال لتحصيل شيكه، وكان الدائن (المستفيد من الشيك) يستجدي المدين للوفاء، ولضعف الإجراءات القضائية وعدم حزمها، كان بعض المدينين عندما يُطالبه الدائن (صاحب الحق)، يُجيبه بلا اكتراث: يا حبيبي اشتكيني، هذيك المحاكم.

     

    وجاء نظام التنفيذ الصادر في عام 1433هـ بنقلة نوعية صارمة، اعتبرتْ جميع الأوراق التجارية (الشيك، والسند لأمر، والكمبيالة) سنداتاً تنفيذية. وبمقارنة نظامنا مع أنظمة عربية مقارنة، نجد أنه الأكثر صرامة لصالح طالب التنفيذ، ومن ذلك أنه لم يُميز بين الشيك والسند لأمر، رغم أن الشيك أداة وفاء معلوم المقدار وقت تحريره في حين أن السند لأمر أداة ائتمان لما سيكون في الذمة مُستقبلاً، مما يعني أنه في كثير من الأحيان، هو سند لأمر لدين غير مُحدد المقدار وقت تحريره، وبالذات إن حُرر على بياض أو لضمان إجمالي تسهيلات ائتمانية سيلحقها تسديدات من المدين، ومع اختلاف الورقتين التجاريتين أحكاماً وتطبيقاً؛ إلا أن نظام التنفيذ لم يُراعِ مثل هذه الاختلافات.

    ومن الأمثلة الأخرى التي أوجدت تطبيقاً صارماً لصالح السندات التنفيذية ولم تُسعف المُنفذ ضدهم، تنازع الاختصاص في كثير من الجوانب المتعلقة بالسندات التنفيذية بين قاضي الموضوع وقاضي التنفيذ.

     

    ومع اعتبار أن الورقة التجارية صحيحة الأصل واجبة التنفيذ، لجأ الدائنون بمختلف فئاتهم، وبالأخص من بحوزتهم سندات لأمر لضمانات مديونياتهم، كالبنوك وشركات التمويل والموردين إلى قضاء التنفيذ، كقضاء صارم سريع، يُحقق مصلحة الدائن، في واقع لا يخلو من أهمية الحاجة إلى حماية المدين أيضاً، وبالذات في حالات تزوير السند، أو بطلان السبب المشروع له، كأن تكون الورقة التجارية ضماناً أو وفاءً لصفقة لم تتم، أو أن تكون الأوراق التجارية ضماناً لديون تجارية أفلس أو خسر وأعسر صاحبها، وغير ذلك من حالات تستوجب حماية المدين، وكل ذلك جدير بالحماية، لتحقيق التوازن في حماية الدائنين والمدينين معاً، بحسب تقدير حالة كل منهم.

     

    إنه بالرجوع إلى إحصائيات وتقارير وزارة العدل المنشورة على موقعها الرسمي، نجد أن إجمالي طلبات التنفيذ الواردة في المملكة لعام 1439هـ قد بلغت (222,301,050,081) ريالاً، في حين أن الإجمالي قد تناقص في عام 1440هـ فبلغ (133,255,311,377) ريالاً، منها ما يزيد على (76) مليار ريال في منطقة الرياض وحدها، أما من ناحية: تصنيف سندات التنفيذ فيما يخص طلبات المبالغ المالية لعام 1440هـ، نجد أن مطالبات الشيكات في جميع مناطق  المملكة عددها (13,384) مطالبة بشيك، في حين أن عدد المطالبات بالسندات لأمر عددها (315,746) مطالبة بسند لأمر، وفي المقابل فإن عدد طلبات التنفيذ للمبالغ المالية الصادر فيها أحكام من جميع المحاكم الأخرى في المملكة بلغت (80,906) مطالبة.

     

    وتنشر الوزارة إحصائيات تتعلق بسرعة التنفيذ، والبالغ في نسبة كبيرة منها في أقل من أسبوعين، وفي شرائح كبيرة أيضاً دون الشهر، ودون الشهرين، وتُعد الوزارة ذلك أحد إنجازاتها.

     

    إنه بحسب إحصائيات الوزارة، فإن طلبات التنفيذ بالمبالغ المالية تُشكل حوالي (95%) من إجمالي عدد طلبات التنفيذ، كما هي إحصائيات بعض الأشهر.

     

    نستنتج من الإحصائيات ومن قراءتنا للواقع، أن قضاء التنفيذ أغلبه للمطالبات المالية، وأن النصيب الأكبر من ذلك، هو لسندات لأمر، وليس للشيكات أو الأحكام القضائية على اختلاف المحاكم واللجان مُصدرة القرارات.

     

    وقد استفاد الممولون والبنوك من ذلك كثيراً، حيث نفذ الدائنون بما لديهم من سندات لأمر على المدينين والتجار، دون الحاجة إلى اللجوء إلى المحاكم المختصة، وإن شاب السندات منازعات حقيقية جادة مثل الادعاء بالتزوير، أو السدادات الجزئية أو الكلية، أو بطلان سبب الورقة التجارية، أو أن للتاجر المدين حقوقاً للغير أو مستخلصات لدى الدولة، يطلب لأجلها الإمهال، أو أنه مُعسر أو مُفلس أو مُتعثر يطلب الإرجاء، أو أنه كبير سن أو صاحب عائلة، وكل ذلك من الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية أو الإنسانية أو القانونية، لم تُجدِ غالباً، مما غَلبَ مصلحة الدائن وإن كانت بالإضرار بالمدين.

     

    ثم جاءت نقلة نوعية حقيقية جادة (في الوقت المناسب، وإن كانت متأخرة) بإقرار نظام الإفلاس، لخلق التوازن، في منح الأجل للتاجر المُتعثر الذي يرجو استمراره، أو للتاجر الخاسر المُفلس، وذلك في سبيل حماية البيئة الاستثمارية، ومقدرات التجار وأنشطتهم وخبراتهم، دون إغفال حقوق الدائنين، مما يؤكد أهمية التوازن بين مصالح الدائنين والمدينين في سبيل بيئة اقتصادية جاذبة مستقرة مستدامة.

     

    وبالأمس، عدلتْ وزارة العدل بعض مواد اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ، تتلخص قراءتي للتعديلات، أنها خطوة في الاتجاه الصحيح في سبيل التوازن حماية لجميع أطراف التعامل في الوسط التجاري، رفعاً عن الضرر الذي يلحق بالتاجر عند إيقاف خدماته الالكترونية الحكومية، أو سجنه في حالات تعثره التجاري، مما يضر بالتاجر المدين عند سجنه ولا ينفع الدائن لسداد دينه، وبالمُجمل فإن التعديلات قد راعت بعض الأوجه التجارية والإنسانية والاجتماعية للمُنفذ ضده، فشكراً لمقام الوزارة.

     

    إنني كنتُ في مقالات سابقة، وفي مقالي هذا، أدعو إخوتي أصحاب الفضيلة في الوزارة لدراسة أوجه وحالات عديدة أخرى موجودة في الواقع الاقتصادي، تخص تنازع القضايا بين قضاة الموضوع والإفلاس والتنفيذ، أو تخص تحقيق العدالة الشرعية والنظامية في سبيل حماية بيئة اقتصادية متوازنة لكل من الدائن والمدين معاً، في ظل أنظمة وتشريعات متطورة تُراعي الحال الاقتصادي المُتغير، إذ من غير المقبول الحيف مع أيٍ من الدائن أو المدين على حساب الآخر.

        شكراً لولاة أمرنا، ولمزيد من التطوير.

     

    نقلا عن مال


    تنويه : جميع الحقوق محفوظة لموقع Acc4Arab.com ولايمكنكم نسخ نص المحتوي لأنه محمي بحقوق الملكية الفكرية، لكن يمكنكم مشاركته علي شبكات التواصل الاجتماعي.

    352 مشاهدة

    مواضيع ذات صلة بــ : المقالات

    التعليقات

    اترك تعليقا

    النشرة الاخبارية