الرئيسية
  • المقالات
  • مقالات .. مؤشرات الأداء

    مقالات .. مؤشرات الأداء

    • نشر الثلاثاء ،
    • 2 يوليو 2019


     

    كاتب المقال : سلطان العامر

     

    مؤشر الأداء - كما يقال لنا- هو مقياس علمي، محايد، كميّ، غير مشخصن، لأداء المؤسسات ومدى قربها وبعدها عن تحقيق الأهداف الموضوعة لها.

    ‏لكن هل هذا صحيح؟

    هل فعلا "لغة الأرقام لا تكذب؟" كما يقال؟

     

    ‏يقال أن وزير الدفاع الأمريكي روبرت ماكنمارا هو أول من نقل المنتجات الإدارية الحديثة من القطاع الخاص للقطاع الحكومي، وذلك عندما عمل وزيرا للدفاع في رئاسة الرئيس كينيدي بين عامي "١٩٦١-١٩٦٨".

    ماكنمارا خريج ماجستير ادارة أعمال من هارفارد، عمل في القوات الجوية في الحرب العالمية في مكتب الاحصاءات ، ثم انتقل لشركة السيارات "فورد" مع مجموعة من زملاءه في سلاح الطيران وطبقوا عليها مجموعة من الحلول والافكار الادارية الحديثة ساعدته للترقي ليصبح أول رئيس لفورد من خارج الشركة.عندما تم تعيينه في وزارة الدفاع في عام ١٩٦١، كانت أمريكا في حرب في فيتنام. وكانت حرب ضد ميليشيات تستخدم اسلوب حرب العصابات وبالتالي لم يكن هناك خطوط واضحة للمعركة على الأرض. طبيعة هذه الحرب ولّدت مشكلة للأمريكان: كيف يعرفون أنهم ينتصرون أم يخسرون؟

    ‏طلب ماكنمارا من جنرالات الجيش بتزويده ب(مؤشرات أداء) ، برسومات وأرقام، تتيح له معرفة قياس ما أذا كانوا ينتصرون أم يهزمون في الحرب. فكّر الجنرالات وجاءوا بمؤشرين:

    ‏١- مؤشر عدد قتلى الأعداء.

    ‏٢- مؤشر كسب تعاطف المدنيين الفيتناميين.

    لنأخذ الأول:

    ‏فكرة المؤشر بسيطة: كلما زاد عدد قتلى العدو، فهذا مؤشر على أن أمريكا تنتصر بالحرب.

    ‏أي أن أداء الجنود والضباط والجنرالات كله سيقاس من هذا العدد، وكل ترقياتهم وتقييماتهم تعتمد عليه. فأصبح المؤشر الذي يفترض به أن يكون محايدا: مؤثرا ومغيرا لسلوك أعضاء المؤسسة.

     

    ‏أصبح من مصلحة الجميع أن يكون عدد القتلى مرتفعا، فهذا هو مقياس أداء المؤسسة. أصبح لدى من يحصون الجثث محفزا لإدراج كل من يموت- سواء كان مقاتلا أم مدنيا- ضمن المقاتلين كي يزداد العدد، أصبح لدى الجنرالات محفز أن يعتمدوا خطط تزيد من حصيلة الموتى حتى لو لم يكن لذلك حاجة عسكرية.

     

    ‏فالمؤشر الذي يقيس أداء المؤسسة قام بتغيير سلوك افراد المؤسسة وبات الجميع حريصا على إرضاء المؤشر حتى لو كان هذا يعني زيادة القتل العشوائي، غير الضروري. في نهاية المطاف، أصبح عدد القتلى يفوق العدد المعروف للمليشيات، ومع ذلك، كلنا نعرف أن الأمريكيين خسروا الحرب.

    لننتقل لمثال آخر عن "مؤشرات الأداء" أقل دموية. السيدة بيفرلي هول تربوية من أطلنطا في ولاية جورجيا في أمريكا والتي حازت عام ٢٠٠٩ على وسام أفضل تربوية للعام من قبل جمعية مدراء المدارس الأمريكية. وذلك لمساهمتها برفع درجات الطلاب، ووصفت الجمعية أطلنطا بأنها نموذج للتعليم.

     

    ‏لكن بعد أشهر من تسلمها للجائزة بدأت تتكشف في أطلنطا قصة أشهر نظام غش تعليمي، حيث استمرت التحقيقات والتقصيات لست سنوات وانتهت باتهامها وعشرات من التربويين والمدرسين بالتورط في عملية تغشيش منظمة ومؤسسة في عدد كبير من مدارس المدينة.

     

    ‏تعرف القصة باسم "فضيحة الغش في مدارس أطلنطا". والسبب الذي دفع المعلمين والتربويين والمدارس التي يفترض أن تكون نموذجا لتعليم الأبناء الصدق والأمانة والفضيلة لتغشيش الطلاب الأجوبة وتعديلها والضغط عليهم للحصول على درجات عالية هو "مؤشرات الأداء".

     

    ‏فالمدرسة التي لا يكون نتائج طلابها في اختبار القدرات المعمم فوق حد معين يواجه منسوبها كثير من العقوبات والضيق (بل حتى الفصل). فهذا المؤشر غيّر سلوك المدرسين ودفعهم للتفكير بطريقة أسهل لحماية انفسهم ووظيفتهم: تغشيش الطلاب.

     

    ‏والقصة في المثالين السابقين واحدة: مؤشر قياس الأداء بمجرد وضعه قيد التنفيذ يتحول من مقياس لغاية إلى غاية في حد ذاته، ويدفع اعضاء المؤسسة للقيام باعمال مخيفة ومضرة ومفسدة لارضاء المقياس. لنأخذ مثال محلي وهو معظم الجامعات في المملكة ان لم يكن كلها.

     

    ‏فقبل عشر سنوات، انتشر في الصحف المحلية نقاش كبير حول النتائج المتدنية للجامعات السعودية في التصنيفات العالمية. ومنذ ذلك الوقت بدأت الجامعات السعودية تفكر كيف تسعى لرفع مستوى تصنيفها. الطريقة السهلة: تحسين جودة التدريس،دعم الباحثين والأعمال البحثية الخ.لكن هناك من فكر بطريقة أخرى.

     

    ‏لاحظت الجامعات أن التصنيفات العالمية تعتمد على مؤشر "عدد الباحثين الأكثر استشهادا بهم". يقيس هذا المؤشر عدد الباحثين المنتسبين للجامعة من الذين تكون لهم أبحاث تقتبس بكثرة من غيرهم من الباحثين.

     

    ‏فعوضا عن زيادة جودة بحث منسوبيهم، ذهبت الجامعات للباحثين ذوي المراكز الأولى وقدمت لهم المال، وطلبت منهم أن يكونوا منتسبين لديهم ولو اسميا، يزورونهم بضع مرات في السنة. وهكذا إذا نشر هذا الباحث بحثا يكتب اسم الجامعة كمؤسسة منتسب لها، وبهذه الطريقة قفز الكثير من الجامعات لتصنيفات مرتفعة.

     

    ‏هذه ثلاثة أمثلة لما يمكن أن يفعله ارضاء مؤشر الأداء، فهو يعمل كالسحر: يدفع الجيوش لتهتم بالقتل أكثر من الانتصار، والمدارس تهتم بالغش أكثر من التربية، والجامعات تهتم بشراء الذمم أكثر من تخريج الكوادر...

     

     


    تنويه : جميع الحقوق محفوظة لموقع Acc4Arab.com ولايمكنكم نسخ نص المحتوي لأنه محمي بحقوق الملكية الفكرية، لكن يمكنكم مشاركته علي شبكات التواصل الاجتماعي.

    Ahmed_hasan17689

    547 مشاهدة

    مواضيع ذات صلة بــ : المقالات

    التعليقات

    اترك تعليقا

    النشرة الاخبارية